قيل أنه بلعام بن باعوراء، فإن الآية كما يقول القرطبي:"عامة في كل من تعلم القرآن ولم يعمل به، وألا يغتر أحد بعلمه ولا بعمله."وضرب الله مثلًا آخر بعلماء اليهود الذين لم يعملوا بمقتضى العلم الذي حملوه، فقال في شأنهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وقال في شأن علماء أهل الكتاب الذين استخدموا علمهم لأغراض دنيوية {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} وقال فيهم أيضًا: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، وصدُّ علماء السوء عن سبيل الله يكون بأحد أمرين:
1.عدم عملهم بعلمهم، وهذا صدٌّ عملي للناس عن الحق لأن العامة يقتدون بالعلماء الذين يمثلون بالنسبة لهم القدوة الحسنة والأسوة المثلى.
2.تحريفهم لآيات الله واشتراءهم بها ثمنًا قليلًا، وهذا صدٌّ علمي بتحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل الأحكام اتباعًا للهوى، وتجميع الرخص، والمداهنة في دين الله تبارك وتعالى.
ومع ما قَصَّهُ الله من خطورة شأن هذه الفئة من علماء السوء على دين الله تبارك وتعالى، فإن مختلف العصور التاريخية تؤكد وتعضد هذه الحقيقة، ولسنا بحاجةٍ للتنقيب في أسفار التاريخ البعيد، ففي الماضي القريب والحاضر المشاهد أمثلة حية تغني عن ذلك ومنها:
المثال الأول: عندما تبنى الهالك جمال عبد الناصر الملة الاشتراكية، وألزَمَ الناس بها بقوة الحديد والنار، وبدلًا من أن يقف الأزهر وعلماؤه - المعروفة مواقفهم التاريخية لنُّصرة الإسلام والدفاع عنه - في وجه هذا الطاغية ومِلته الخارجة عن الإسلام، قام شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت بالترويج لهذا المذهب الهدّام، والدعاية له باسم الإسلام من خلال برنامجه الإذاعي اليومي «الاشتراكية والحياة» فضل بسبب ذلك كثير من المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المثال الثاني: وعندما قرر نفس الطاغية إعدام نخبة من خيرة رجال ودعاة مصر في ذلك الوقت 1954 وهم عبد القادر عودة وإخوانه، استصدر فتوى من الأزهر بذلك فجاءته جاهزةً تقول:"إن هؤلاء كفار لا تقبل توبتهم."وقد جاء الطاغية عبد الناصر بهذا المفتي بعد أن رفض الشيخ محمد خضر حسين أن يفتيه بتلك الفتوى التي ما هي إلا مثالٌ لفتاوى تصدر اليوم داخل الجزيرة وتعرض وتصرح أحيانًا بأئمة الدعوة وعلمائها من أمثال الشيخ سلمان وسفر ... وغيرهم.