16 جمادى الآخر 1432 هـ - 19 مايو 2011 م
إِنّ الحمدَ لِلّه نحمَدُهُ، ونستَعِينُه، ونستغفِرُهُ، ونعُوذُ باللّه مِن شُرُورِ أنفُسِنَا وَسيّئاتِ أعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللّه فَلا مُضِلَّ لهُ، وَمَن يُضلِل فلَا هَادِي لَه.
وَأَشهَدُ أَن لا إِلَه إِلّا اللهَ وَحدهُ لا شَريكَ لهُ، وَأَشهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عبدُهُ وَرسُولُه.
أَمّا بعد:
أُمّتي المُسلِمَة، نراقبُ معكِ هذا الحدث التاريخيّ العظيم، ونشاركُكِ الفرحةَ والسرورَ والبهجةَ والحبور، نفرحُ لِفرحكِ وَنترحُ لِتَرَحكِ، فهَنِيئًا لكِ انتصَارَاتُك، ورَحِمَ اللهُ شهداءَكِ، وعَافَى جرحَاكِ، وفرّجَ عن أسرَاكِ.
وَبَعدُ:
هَلّت بِمَجدِ بَنِي الإِسلامِ أَيّامُ ... وَاختَفَى عَن بِلَادِ العُربِ حُكّامُ
طَوت عُروشٌ حَتّى جَاءَنَا خَبَرٌ ... فِيهِ مَخَايِلُ لِلبُشرَى وَأَعلَامُ
طَالما يَمّمَت الأُمّةُ وجههَا ترقُبُ النّصرَ الذي لاحَت بشَائرُه منَ المشرِق، فإِذَا بشمسِ الثّورَةِ تطلعُ من المغرِب، أضَاءت الثّورةُ مِن تُونُس، فأنِسَت بهَا الأُمّة، وأشرقَت وجُوه الشّعوبِ، وشَرقَت حناجِرُ الحكّام، وارتَاعَت يهُود لِقُربِ الوعُود، فبِإِسقَاطِ الطّاغِيةِ سَقَطَت مَعانِي الذّلَّةِ والخُنوعِ والخَوفِ والإِحجَام، ونَهَضَت مَعَانِي الحُرّيّة وَالعِزّةِ والجُرأةِ والإِقدَام، فَهَبّت رِياحُ التّغييرِ رَغبَةً في التّحرِير، وكَانَ لتُونُسَ قَصَبُ السَّبقِ، وبسرعَةِ البَرقِ أَخذَ فُرسَانُ الكنَانَةِ قَبَسًا مِن أَحرَارِ تُونُسَ إِلَى ميدَانِ التّحرِير، فانطلَقَت ثَورةٌ عظيمةٌ، وَأَيُّ ثَورَة!
ثَورَةٌ مَصِيرِيّةٌ لمِصرَ كلِّها وَللأُمّة بِأسرِها إِن اعتصَمَت بِحَبلِ رَبِّها، وَلم تَكُن هذِه الثّورَة ثَورَةَ طَعَامٍ وكِسَاء، وإِنَّمَا ثَورَةُ عِزٍّ وَإِبَاء، ثَورَةُ بَذلٍ وَعطَاء، أضَاءَت حَواضِرَ النّيلِ وَقُرَاه مِن أَدنَاه إِلَى أَعلَاه، فَتَراءَت لِفتيَانِ الإِسلَامِ أَمجَادُهُم، وَحَنّت نُفُوسُهم لِعَهدِ أَجدَادِهم، فَاقتَبَسُوا مِن مَيدَانِ التّحرِيرِ فِي القَاهِرَةِ شُعَلًا لِيَقهرُوا بِهَا الأَنظِمَةَ الجَائِرَة، وَوَقَفُوا فِي وَجهِ البَاطِلِ وَرَفَعُوا قَبضَاتهم ضِدّه، وَلم يَهَابُوا جُندَه، وَتَعَاهَدُوا فَوثّقُوا المُعَاهَدَة، فَالهِمَمُ صَامِدَةٌ، وَالسّواعِدُ مُسَاعِدَةٌ، والثّورَةُ وَاعِدَة.