فسيبويه حين حد (الفعل) في أول كتابه، لم يرد أمثلته التي هي عندنا: فعل ماض نحو (ذهب) ، ومضارع نحو (يذهب) ، وأمر نحو (اذهب) ، بل أراد بيان الأزمنة التي تقترن بهذه الأمثلة كيف هي في لسان العرب، فجعلها ثلاثة أزمنة: فالزمن الأول، هو المقترن بالفعل الماضي الذي يدلا على فعل وقع قبل زمن الإخبار به كقولك: (ذهب الرجل) ، ولكن يخرج منه الفعل الذي هو على مثال الماضي أيضا، ولكنه لا يدل على وقوع الحدث في الزمن الماضي، نحو قولك في الدعاء: (غفر الله لك) ، فإنه يدخل في الزمن الثاني، كما سأبينه بعد.
وأما الزمن الثاني، فهو الذي عبر عنه سيبويه بقوله بعد ذلك: (وما يكون ولم يقع) ، وذلك حين تقول آمرا: (أخرج) ، فهو مقترن بزمن مبهم مطلق معلق لا يدل على حاضر ولا مستقبل، لأنه لم يقع بعد خروج، ولكنه كائن عند نفاذ (الخروج) من المأمور به= ومثله النهي حين تقول ناهيا: (لا تخرج) ، فهو أيضا في زمن مبهم مطلق معلق، وإن كان على مثال الفعل المضارع، فقد سلب الدلالة على الحاضر والمستقبل لأنه لم يقع، ولكنه كائن بامتناع الذي نهى عن الخروج = ومثله أيضا في مثال المضارع في قولنا: (قاتل النفس يقتل، والزاني المحصن يرجم)
فهما مثالان مضارعان، ولا يدلان على حاضر ولا مستقبل، وإنما هما خبران عن حكم، ولم يقعا عند الإخبار بهما، فهما في زمن مبهم مطلق معلق، وهما كائنان لحدوث القتل من القاتل عند القصاص، وحدوث الزنا من الزاني المحصن عند إنفاذ الرجم= ويدخل في هذا الزمن أيضا نحو قولك: (غفر اله لك) في الدعاء، وهو على مثال الماضي، فإنك لا تريد إخبارا عن غفران مضى من الله سبحانه، ولكن تريد غفرانا من الله يكون، ولكنه لم يقع بعد، وترجو بالدعاء أن يقع.