"الثقافة"- حتى يحتاج عندئذ إلى إعادة النظر للفصل بين تداخل أطرافها بعضها في بعض، طلبا لتصحيح المسيره، وطلبا للوضوح، وطلبا للنهج السوى والطريق المستقيم.
فهذا، كما ترى، ميدان لا يطيق النزول في أرضه وبحقه، إلا من أوتى حظا وافرا من البصر النافذ، والإخلاص المتجرد لطلب الحق وإدراكه.
وبطبيعة هذا الميدان، تدخل نفس النازل في أرضه عاملا حاسما في شطري"ماقبل المنهج": تدخل أولا من طريق معرفة"اللغة"التي نشأ فيها صغيرا- وتدخل ثانيا من طريق"الثقافة"التي ارتضع لبانها يافعا- وتدخل ثالثا من طريق أهوائه ومنازعه التي يملك ضبطها أو لا يملكه، بعد ان استوى رجلا، مبينا عن نفسه. فهذا الثالث هو موضع المخافة، الذي يستوجب الحذر، ويقتضيك حسن التحري.
1 -فمن طريق"اللغة"التي نشأ فيها صغيرا، فإنه يسدده أو يتهدده، الإحاطة بأسرار"اللغة"وأساليبها الظاهرة والباطنة، وعجائب تصاريفها التي تجمعت وتشابكت على مر القرون البعيدة، فصارت ألفاظها وتراكيبها الموروثة والمستحدثة تحمل من كل زمان مضى وكل جيل سبق، نفحة من نفحات البيان الإنساني بخصائصه المعقدة والمكتمة، أو خصائصه السمحة والمستعلنة.
وبين تمام الإحاطة باللغة وقصور الإحاطة بها، مزالق تزل عليها الأقدام، ومخاطر يخشى معها أن تنقلب وجوه المعاني مشوهة الخلقة مستنكرة المرآة، بقدر بعدها عن الآسرار الخفية المستكنة في هذه الألفاظ والتراكيب، وهذا باب واسع يحتاج إلى بيان لا يحاط به في مثل هذا الموضع. ولكن كن أبدا على حذر، فإنه ممكن أيضا كل الإمكان، أن يدخل عليك من هذا