التكلف الذي لا شك يخرج به عن هدفه الإنساني الاجتماعي، في إصلاح الحياة ورياضة النفس، والرجوع بها إلى الله تعالى (1) .
والذي حمل العلماء على أن يقفوا من التفسير العلمي هذا الموقف، عوامل شتى: أهمها - في رأي الأستاذ حنفي أحمد - وراثة العقيدة التي كانت ولا تزال سائدة في الأذهان بأن القرآن رسالة هداية وإرشاد لا شأن لها بأصول العلوم الكونية، وأن حديثه عن الكائنات لا يحتاج في فهمه إلا لمجرد التعقل والخبرة العادية، وقد زاد من رواسخ هذه العقيدة الموروثة في أذهان أهل العلم والمتعلمين رؤيتهم هذا الحديث مفرق الأجزاء بين السور والآيات المختلفة على غير ما هو معروف ومألوف لديهم في تصنيف الكتب العلمية، فظنوا بذلك أنه لا علاقة ولا رابطة بين أجزاء هذا الحديث في الموضوع الواحد.
ولقد استبعد أهل العلم والفكر وجود علم مفصل عن الكائنات في القرآن فغاب عنهم بسبب ذلك مفتاح طريق البحث فيه، ألا وهو جمع آياته المتفرقة وتبويبها حسب موضوعاتها ثم بحثها بحثًا كاملًا (2) .
ولهذه الأسباب: كان طبيعيًا ألا يفكر المتخصصون في العلم الحديث من المسلمين في النظر والبحث في القرآن، وألا يظهر لهم بحوث فيه، وكان طبيعيًا أن تتسرب إلى أذهان المثقفين عامة بالعلم الحديث من المسلمين عقيدة الإفرنج بأن الكتب المنزلة جميعًا لا تحوي علمًا دقيقًا بالكائنات، وأن تتصور
(1) التفسير والمفسرون (3/ 160) .
(2) وهو نفس منهج التفسير الموضوعي كما سنراه قريبًا.