هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة إلى المدينة: فأصبحوا بها قوة بعد أن كانوا مستضعفين، ولبسوا بها الأمان بعد أن كانوا خائفين، وجاهروا بعبادتهم وشعائرهم بعد أن كانوا بها مستترين، وأصبحت المدينة وطنًا آمنًا مرهوب الجانب بعد أن لقي الأعداء على أبوابها في غزوة الخندق هزيمة منكرة، وعادوا خائبين، خاسرين، وأعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه، ما يشعرهم به ويعلمهم أن المدينة أصبحت ذات: سيادة، واستقلال، موهوبة الجانب، عزيزة المنال، يخشاها الأعداء، ويأمن فيها المسلمون على أنفسهم وأهليهم، وأموالهم، ويمكنهم فيها أن يقيموا بها أحكام الإسلام ويؤدوا فرائضه، دونما عدو يتربص بهم (1) حينما قال."هذا لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم".
ومعنى هذا: أن المسلمين أصبحوا في المدينة أصحاب وطن يتمتع بالحدود الآمنة، ويقطنه أفراد يمكنهم تنفيذ شرائع الله تعالى، ولهم رئيس يحكمهم وينفذ فيهم أحكام السماء.
ولذا: ناسب أن ينزل القرآن الكريم في هذه الفترة بالأحكام التي تنظم للمسلمين حياتهم وعبادتهم.
وفي هذه الفترة: نزلت سورة النور حافلة بتدابير قانونية وخلقية واجتماعية لإصلاح الحياة البشرية وتعميرها.
(1) سيرة بن هشام 3/ 266.