كفار مكة، وينتقل من قبيح الوصف إلى أقبحه ترقيًّا في ذمهم (1) ، حينما يخبر عنهم، بأنهم {لَّا يُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} (2) ، حيث أكرمهم الله تعالى بكثرة المال، ومع ذلك فهم لا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به (3) .
وهذا الإكرام الذي يحث المولى - سبحانه وتعالى - على إحاطة اليتيم به: يشمل الإكرام في معاملته، والعطف عليه، أو التصدق عليه إن كان في حاجة لذلك.
بينما يجعل التصدق عليه - إن كان في حاجة لذلك: من مجاهدة الإنسانِ نَفْسَهُ، وَعَدُوَّه الشيطان (4) ، إذ يقول - سبحانه وتعالى بعد أن يعدد بعضًا من جلائل نعمه على عبده - {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } [البلد: 11 - 16] ، وفي التعبير بقوله تعالى {ذَا مَقْرَبَةٍ} ما يفيد الصدقة على القريب أفضل منها على البعيد، ولذلك بدأ به قبل المسكين (5) .
فكانت الوصية في هذه الفترة: بالنهي عن"قربان"ماله.
ونجد أن تسليط النهي عن"القربان"على هذا النحو: لم يرد في شيء غير النهي عن مال اليتيم، إلا في الوصية بالنهي عن الفواحش، ما ظهر منها
(1) نفس المرجع السابق (4/ 533) .
(2) قال تعالى في سورة الفجر: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر: 17]
(3) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (9/ 157) .
(4) الزمخشري: الكشاف (4/ 603) .
(5) ابن العربي أحكام القرآن (4/ 928) .