كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 96
والجوانب، وأما الأحشاء فلكونها لا تقدر على رفع الحجاب الحاجز الفاصل لها عن الرئتين تنقل لقعر الرحم الانضغاط الشديد الذي تأثرت منه، فحينئذ يبرز هذا العضو الممسوك مع جميع الجهات جميع قوته، ليقذف الجنين من العنق المنقاد لذلك، فهذا هو السير الذي يشاهد غالبا في تلك الحركات، لكن قد تستدعي بنية المرأة، خلاف ذلك، فلا يحتاج لمثل هذا التعاون فقد تكتفي الرحم بنفسها في بعض الأحوال، وتتم وظيفتها بدون تعاون وبدون مشقة، وقد تضعف أحيانا بسبب توتر مفرط يحصل فيها فيتلف قوتها بترقيقه جدرانها، أو بسبب انقباضات طويلة متضاعفة، أو تغير أو استعداد طبيعي فيها يتعب وظائفها فتنقاد للعضلات، وقد تتوجه تلك العضلات بنفسها في بعض الأحوال، فيحصل فيها قوة على دفع الجنين مع مساعدة ضعيفة من الرحم، وهذه هي الحالة التي يكون فيها جزء من وظيفة الولادة أحيانا اختياريا كالقيء في بعض الأشخاص، والبراز والتبول فإن عندنا مشاهدات غاب طلق المرأة فيها عند ما دخل عليها بعض أشخاص، ولما خرجوا رجع لها الطلق، وتمت الولادة غير أن هذه كلها مستثنيات، والقاعدة الكلية هي أن الإرادة ليس لها تأثير في سير الولادة إلا بتوسط عضلات البطن والحجاب الحاجز، ولا نقول قولا مطلقا، إن انقباضات الرحم المصحوبة بأوجاع شديدة تكون خارجة عن سلطنة الإرادة.
«المبحث الخامس في الأسباب المتممة للولادة»
اضطربت الآراء في جميع الأزمنة في مشاهدة الأسباب، فينسبونها تارة للجنين، وتارة للرحم، وتارة لغير ذلك أجزاء الأم، ويصح أن تقسم على حسب ما جعلها تعالى تأتي من الخارج، فهي غريبة عن البنية، وتنشأ من مرض البذرة أو الرحم، أو استعداد مخصوص فيها، أو نحو ذلك، وفي الحقيقة هي أسباب الإجهاض، فلذلك لا نطيل الكلام فيها هنا، ولما ظنوا الجنين يفتح لنفسه ممرا يخرج منه الخارج قالوا باختراعهم: إن ماء الأمنيوس إذا صار حريفا مهيجا نبه الجلد تنبيها مؤلما، ويحصل في المثانة والمستقيم الممتلئين أحدهما بالبول، والثاني بالعقي إحساس باستفراغ المواد التي فيها، وترفع درجة حرارة الرحم، فيلتزم الجنين أن يعيش في الهواء على وسائط الترتيب والتبريد، ولا يمكنه أن يعيش بدون تنفس، ويضيق عليه الحال بسبب انسداد القنوات الرحمية المشيمة، وجزء من المجموع الوعائي للمشيمة نفسها، ولا تأتيه مواد كافية لنموه، فيحمله ثقله كما له على أن ينفصل كثمرة تنضج فتسقط من جذع شجرة، ولا تتم دورة الدم فيه إلا بفعل الرئة، لكن نقول: إذا تذكرت ما أسلفنا علمت رد ذلك كله كيف وقد أثبتنا لك أن الجنين ليس هو السبب الفاعل لخروج نفسه، لكن من حيث إنهم زعموا من جهة أخرى أن الانقباضات الرحمية لا تحصل إلا من