فهرس الكتاب

الصفحة 1216 من 3251

السقف قال لهم باقوم: أتحبوا أن تجعلوا سقفها مكبسًا أو مسطحًا فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحًا فبنوا مسطحًا، ومعنى مكبسًا: محدبًا كالقبة. هذا جزء من ترجمة باقوم الرومي، ثم رأينا أن الأستاذ الكبير وزير المعارف المصرية الأسبق، قد كتب عن"باقوم الرومي"قصة طريفة حلوة بقلمه البليغ وبلون من الأدب الرفيع، في الجزء الثاني من كتابه"على هامش السيرة"بعنوان"حديث باخوم"بالخاء المعجمة. قال حفظه الله تعالى بعد أن ذكر في الحكاية ما دار من الحديث بين القوم والقسيس عند اجتماعهم للسمر جزءًا يسيرًا ما يأتي: وهنا تكلم"باخوم"فخفتت الأصوات وأنصت الناس، وكان"باخوم"شيخًا من شيوخ القرية، قد عرف بطول الصمت خارج الكنيسة وكثرة الصلاة إذا كان فيها، كما عرف بالوقار والأناة إذا تحرك أو تكلم، وكما عرف بهذه الهيبة التي كانت تفيض على وجهه، وهذه المحبة التي كانت تجذب إليه الناس. وكان"باخوم"رجلًا قد طوف في الأرض أول شبابه فأكثر التطويف ولم يكن يلم بقريته إلا ليمكث فيها العام أو بعض العام، ثم يرتحل عنها فيغيب عنها الأشهر حينًا، والعام حينًا آخر، وربما امتدت غيبته فبلغت العامين، ولكنه كان ينتهي دائمًا بالعودة إلى قريته والإقامة فيها حينًا. وكان لا يعود إلا ومعه فضل من مال يبر به خاصته وذوي قرباه، ويحسن به إلى الفقراء والبائسين، وشيء من الطرف النادرة يتحف به الأغنياء وأصحاب اليسار. وكان قد نشأ عاملًا يرافق البنائين حتى تعلم صناعتهم، وأحسن من فنونهم ما يحسن أهل القرى، وكان ذلك لم يكفه ولم يغنه، فارتحل إلى المدن فجود فنه شيئًا، ثم أخذ ينتقل بفنه من مدينة إلى مدينة، ومن إقليم إلى إقليم حتى جاب أرض مصر كلها. وكان كلما أحسن من فنه شيئًا طمع في أن يضيف إحسانًا إلى إحسان، ويرقى بفنه من طور إلى طور، حتى تسامع الناس به، ودعاه الأغنياء وأصحاب الثراء، في إقليمه وفي غير إقليمه ليشرف على ما كانوا يريدون أن يشيدوا من الدور والقصور وكأنه قد عرف ما كان عند المصريين من فن البناء، وحذق من ذلك ما كانوا يحذقون. ثم لم يكفه ما عرف، ولم يرضه ما أتقن فأبعد في الرحلة وتجاوز مصر إلى غيرها من البلاد المجاورة، ولكنه استبقى عادته وحفظ لقريته عهدها، فكان يبعد في الرحلة ويطيل الغيبة حتى يستيئس أهل القرية من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت