عودته، ويظنوا أنه قد هلك في بعض الطريق، أو عدت إليه عاديات الدهر في بعض أقطار الأرض، ولكنهم يرونه ذات يوم وقد أقبل عليهم مع الصباح أو مع المساء، هادئ النفس دائمًا وقورًا في حركاته وكلامه دائمًا، طويل الصمت خارج الكنيسة كثير الصلاة إذا كان فيها، يحمل فضلًا من مال يبر به الفقراء والبائسين، وشيئًا من الطرف يتحف به الأغنياء والموسرين، وقد كان أول أمره يحب الفن ويكلف بالعمارة والبناء ولكن إلحاحه في السفر وتجوبيه للآفاق قد أضافا إلى هذا الحب الفني شيئًا آخر، هو حب الرحلة في نفسها والكلف بزيارة البلاد المختلفة والإلمام بالأجيال المتباينة من الناس. فكان يرتحل للبناء أول الأمر، ثم أصبح يرتحل لا لشيء إلا لأن نفسه لا تستطيع أن تسلو عن الرحيل، وكان في أول أمره ينتهز الفرص ويتلمس العلل والمعاذير لما كان يزمع من رحلة أو يعتزم من سفر، فكان يصحب القوافل إلى هذا الوجه أو ذاك من وجوه الأرض. ولكنه انتهى آخر الأمر إلى أن يستقل بتدبير أمره ويهيئ أسفاره لا يلتمس لذلك علة ولا ينتحل له معذرة، ولا يصحب هذه القافلة أو تلك، وإنما يعود من رحلة إلى بلده فلا يكاد يستقر في قريته حتى ينبئ الناس بأنه مرتحل إلى بلد آخر، يسميه لهم تسمية العالم به الملم من أمره بما لا يعرفون. وقد عاد إليهم ذات مرة من بعض أسفاره في بلاد الروم، فلما أقام فيهم شهرًا أو بعض شهر أنبأهم بأنه يريد أن يركب هذا البحر الذي لا يركبه الناس إلا قليلًا، وأن يرى ما ينبث على سواحله من المدن، ومن يعيش حوله من أجيال الناس، وقد سمع من أمر هذه الأجيال وتلك المدن أعاجيب، منها ما يقبله العقل ومنها ما لا يستطيع الإنسان له تصديقًا. وهو يعلم على كل حال أن شرقي هذا البحر وغير بعيد من ساحله تقوم مدينة قديمة، يسكنها قوم صالحون يعرفون المسيح ويؤمنون به ويخلصون لدينه، وقد امتحنوا في دينهم بأعظم الشر وأشنع النكر فصبروا على المحنة وثبتوا للخطب واصطلوا النار التي حرقهم بها اليود تحريقًا. وهو يعلم أن قيصر قد رق لهؤلاء الناس وغضب لما أصابهم من الشر، فأنجدهم وأغاثهم وثأر لهم من اليهود. وهو يريد أن يزور هذه المدينة، ويرى هؤلاء الناس الصالحين الذين عذبوا في الدين، ويود لو استطاع أن يقيم لهم كنيسة ويترك في مدينتهم تلك أثرًا يتقرب به إلى الله.