وكان أهل القرية يسمعون حديثه، فمنهم من يزين له الضي فيما عزم عليه، ومنهم من يصده عن ذلك ويرغبه في لين العيش واستقرار الحياة، ولكنه كان يسمع لأولئك ولهؤلاء، ولا يرد على أولئك ولا على هؤلاء رجع الحديث، وإنما كان يمضي في تدبير أمره كما قدر هو أو كما قدر الله له، لا كما أراده الناس عليه. وأصبح القوم ذات يوم فإذا"باخوم"قد تهيأ للرحلة كما تعود أن يفعل وإذا هو يفارقهم، فتتصل غيبته وتتصل، وتمضي الأعوام دون أن يسمعوا من أمره شيئًا، حتى يستيئسوا من عودته ثم تمضي الأعوام وقد تسلوا عنه وكادوا ينسونه، وجعلوا لا يتحدثون عنه إلا قليلًا، وجعلوا إذا ذكروه رقت أحاديثهم عنه، وحسن ذكرهم له، وكثر إشفاقهم عليه كدأب الناس حين يذكرون فقيدًا كريمًا كانوا يحبونه ويؤثرونه، ثم حالت بينهم وبينه الخطوب، فأخذوا يتعزون عنه ويذكرونه ذكرًا جميلًا. ثم يتسامع أهل القرية ذات يوم بأن"باخوم"قد عاد إليهم بعد أن غاب عنهم عشر سنين، فينكرون أول الأمر ثم يعرفون بعد أن يروا صاحبهم كعهدهم به إلا أن السن قد تقدمت به، وظهر أثر ذلك في هذا الشيب الذي جلل رأسه، وفي هذا الهدوء الذي عظم حظه منه، وفي هذا الصمت الذي اشتد إمعانه فيه، وفي شيء آخر جديد لم يكونوا ينتظرونه منه، وهو إعلانه أنه لن يرحل عن قريته بعد هذه المرة، بل سيظل بينهم يشاركهم في الحياة حتى يقضي الله فيه بما يشاء. وكان أهل القرية يكلفون بحديث"باخوم"ويشغفون بالاستماع له، وليس من شك في أن أولى الجد منهم كانوا ينتظرون أن تنقضي هذه الدعابة بين الفتيان وأبيهم القسيس الشيخ ليطلبوا إلى"باخوم"أن يطرفهم بشيء من أنباء رحلته الطويلة الأخيرة فإنه لم يقص عليهم منها شيئًا. ولم يطمئن أهل القرية قط إلى محدث أو قاص كما اطمأنوا إلى هذه الرحالة من أبناء قريتهم، فقد كانوا يعرفون فيه الصدق والأمانة والتواضع والاعتدال ولم يعرفوا قط أنه تزيد أو تكثر أو اعتز بما رأى أو شهد وما كان أكثر ما رأى وما شاهد فلما سمع أهل القرية صوته تدانوا منه، وأصغوا إليه، وكف الفتيان عن دعابتهم ورددوا ضحكهم إلى صدورهم ولم يتموه.