فهرس الكتاب

الصفحة 1219 من 3251

وكان"باخوم"يتكلم بصوت هادئ غليظ بعض الشيء، عميق أشد العمق كأنه يأتي من أقصى ضميره، فكانت الكلمات التي يحملها هذا الصوت الرزين العميق إلى آذانهم لا تكاد تبلغ آذان القوم حتى تنفذ منها مسرعة إلى قلوبهم، وتستقر فيها وتملؤها عجبًا وإعجابًا، قال باخوم:"أما أنا فقد رأيت الشيطان، ما أشك في ذلك ولا أرتاب ورأيته في قصة غريبة وقعت لي في رحلتي هذه الأخيرة منذ عامين"وسكت قليلًا، ثم استأنف حديثه قائلًا:"نعم منذ عامين، وقد امتلأت بها نفسي حتى كأنها لم تقع إلا أمس وقد اتصل بها قلبي فطمع في تجددها أشد الطمع، ورجا تكررها أشد الرجاء، حتى كأنها ستكون غدًا، وهي آخر ما رأيت من أسفارها من عجيب الأمر، وما أرى إلا أنها آخر ما سأرى في حياتي من عجيب الأمر، إلا أن تمتد بي الأيام إلى أكثر مما أقدر وما يقدر أمثالي لأنفسهم من السن."وما أشد ما أتمنى ذلك، وما أشد ما أحرص عليه، لا لأني أحب الحياة أكثر مما يحبها الناس، أو أرغب في البقاء أكثر مما يرغب فيه الناس، بل لأني موقن بأن لهذه القصة شأنًا، وبأنها قد أنبأت عن شيء سيكون، وما أشد شوقي إلى أن أشهد تحقيق هذا النبأ، وظهور هذا الحدث العظيم ". وتصور أيها القارئ أثر هذه الجمل التي كانت تصدر عن"باخوم"ملتهبة، فتحرق قلوب المستمعين له تحريقًا، تصور أثر هذه الجمل في تشويق أهل القرية إلى هذه القصة التي سيطرفهم بها هذا الشيخ. وإنهم ليريدون أن يتعجلوه، ولكنه مطرق مغرق في الصمت، وقد اتصلت أبصارهم به، وتعلقت قلوبهم بشفتيه، ولبث هو على صمته حينًا، وقد سكن الليل وسكت النسيم، كأنما تريد الأرض والسماء وهذه النجوم المتألقة، وهذا النيل الذي يسعى هادئًا من بعيد، أن تستمع له وتستمتع بحديثه، كما يستمع له هؤلاء الفلاحون في قرية من قرى الصعيد. قال باخوم بعد ساعة: " كان ذلك منذ عامين حين انتهت بي الأسفار إلى مكة، تلك القرية التي تسمعون ذكرها أحيانًا حين تفد علينا قوافل قريش تحمل إلى مر تجارة اليمن والهند. فقد ألمت بها، وإن لي من أهلها لبعض الصديق وكنت أريد أن أقضي فيها أشهرًا ثم أرحل مع قافلتهم إلى اليمن لأبلغ تلك المدينة الصالحة التي يسكنها قوم صالحون قد فتنوا في المسيح، فصبروا على الفتنة، وكنت أريد أن أقيم لهم كنيسة وأترك فيها أثرًا باقيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت