فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 3251

"فما أقضي في مكة شهرًا وبعض الشهر حتى يتوسل إلى بعض الصديق من قريش في أن أبني له دارًا، فلا أمتنع عليه، وإنما أجيبه إلى ما أراد وفاء ببعض ما بيننا من المودة، وأداء لبعض ما لهؤلاء الناس على من حق. وقد صحبتهم في سفر شاق بعيد فحموني وحاطوني ورفقوا بي ووفوا لي بذمتهم، وأكدوا لي صادقين أنهم سيبلغونني نجران إذا ارتحلوا إلى اليمن، وسيردونني إلى مأمني إذا عادوا إلى بلاد الروم، فلم يكن بد إذًا من أن أستجيب لصديقي فأقيم له داره التي أراد أن يبنيها. وما هو إلا أن يكون التنافس بين القوم فهؤلاء نفر من سراتهم وعظمائهم يتوسلون إلى في مثل ما توسل إلى ذلك الصديق فيه وكلهم يعظم لي الأجر، ويهدي إلى ما استطاع من الخير. وإني لفي ذلك أجيب منهم من أستطيع إجابته راضيًا مسرورًا بإرضاء هؤلاء القوم الكرام، وبمعاودة المهنة بعد أن طال إهمالي لها وإعراضي عنها، وإذا خاطر يخطر للملأ من قريش ذات ليلة وهم يسمرون فيفكرون فيه ثم يفكرون ثم يستأنفون به، ثم يعودون إليه، ثم يؤخرونه ثم يستأنفون النظر فيه، ثم يفضون إلي به على أنه شيء يريدونه وتتمناه قلوبهم ولكنهم لا يجرؤون عليه. يشفقون أن يكون في الإقدام عليه ما يغضب آلهتهم، ويجر عليهم ما يكرهون. رأوا بيتهم ذاك الذي يقدسونه ويعبدون ربهم فيه قد طال عليه العهد وبعدت به الأيام، وظهر عليه الوهن، وتعرض لأخطار السيل، واجترأ عليه اللصوص فسرقوا بعض ما فيه من متاع فتساءلوا ألا يكون من الخير أن يهدموا بناءه هذا القديم ويقيموا لربهم بيتًا جديدًا فخمًا متينًا، يلائم مكانته في قلوبهم، ويلائم ثروتهم هذه التي تزداد من يوم إلى يوم، ويلائم هذه الدور التي أخذوا يقيمونها لأنفسهم فخمة متينة، قد يسرت لهم فيها أسباب الترف والنعيم، ولكنهم يفكرون ولا يعزمون يخشون ألا يرضى ربهم عما لا بد لهم منه من هدم البيت إن أرادوا له تجديدًا وكان يزيد خوفهم وإشفاقهم ويملأ قلوبهم فزعًا وهلعًا كلما هموا بالإقدام أن حية كانت تظهر كل يوم فتسعى على جدران البيت صاعدة هابطة دائرة من حوله. وكان منظرها بشعًا مخيفًا، وكانت إذا دنا منها وإن اتخذت شكلًا رهيبًا، لا يراه من يدنو منها حتى يرتد عنها مذعورًا. فكانوا يخشون أن تكون هذه الحية حارسًا لهذا البناء وكانوا يقدرون أنهم إن أتموا رأيهم وأنقذوه لم يدنو من البيت ليأخذوا في الهدم حتى تردهم عنه مدحورين وإنهم لفي أنديتهم حول البيت ذات يوم وإذا الحية قد خرجت من مخبئها وجعلت تزحف كدأبها، وجعلوا هم ينظرون إليها مروعين، وإذا عقاب تهوي من السماء فتأخذ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت