فهرس الكتاب

الصفحة 1221 من 3251

الحية من ذنبها، ثم ترتفع بها في السماء وهم ينظرون ويعجبون، وقد غابت عنهم العقاب. فما يشكون في أن ربهم قد أذن لهم في أن ينفذوا ما عزموا عليه وقد أحسوا بعد هذا الحادث شجاعة وإقدامًا، وجعلوا يدبرون أمرهم بينهم، ويدبرون ما لا بد من تدبيره لبناء هذا البيت."وإنهم لفي ذلك وإذا الأنباء تصل إليهم ذات صباح بأن سفينة من سفن الروم قد طغى عليها البحر، وعبث بها الموج، وقصفت بها الريح ثم دفعتها إلى الساحل القريب، فيسرعون إلى البحر، وأسرع معهم، ويرون السفينة وقد عطبت، واضطر أهلها من الروم والمصريين إلى أشد الخوف وأعظم الهلع، لأنهم دفعوا إلى غير مأمن ووقعوا إلى أرض ليس لهتم فيها جار. ولكن قريشًا يلقون أصحاب السفينة أحسن لقاء ويؤمنونهم على أنفسهم وأموالهم، ولا يرضون حتى يشتروا منهم هذه السفينة التي أدركها القطب، ويقولون لي:"فإنا نستطيع أن نتخذ من خشب هذه السفينة لبيت ربنا سقفًا"ولم يرتابوا بعد ذلك في أن ربهم قد أذن لهم بهدم البيت وتجديده، ألم يرسل العقاب إلى تلك الحية فتخطفها، ألم يرسل إليهم هذه السفينة منها للبيت سقفًا، ألم يرسلني إليهم لأبني لهم هذا البيت كما نقيم البناء في مدن الروم، وكذلك تمت كلمتهم على إنفاذ ما دبروا. ولم أتردد أنا في أن أكون من بناء البيت عندما يحبون. وكنت أنظر إليهم وإلى ما كانوا يرون ويقدرون في شيء من العطف عليهم والابتسام لهم، فهم أصحاب سذاجة لم يألفوا من الحضارة ما ألفنا، ولم يبلوا من خطوب الأمام ما بلونا. فأيسر شيء يدفعهم إلى التفاؤل، وأيسر شيء يردهم إلى التشاؤم، وأيسر شيء يدعوهم إلى الإقدام، وأيسر شيء يضطرهم إلى الإحجام. ولكني لم ألبث أن أحسبت ما يحسون من روع، وشاركتهم فيما كان يملك قلوبهم من تردد واضطراب. حضرتهم ذات يوم وقد أطافوا ببيتهم وجعل بعضهم يؤكد لبعض تقادم العهد به، وإلحاح الزمان عليه، وحاجته إلى التجديد. ويسعى شيخ من شيوخهم حتى يمس حجرًا من أحجار البيت ناتئًا بعض الشيء فيجذبه بيديه فينجذب، وقد بعد الشيخ بهذا الحجر عن البيت شيئًا وهو يحمله في يده. ولكن ماذا نرى ؟ نرى هذا الحجر يفصل عن يد الشيخ، ويمضي وحده في الهواء حتى يرتد إلى مكانه من البيت كأحسن ما يمكن أن يستقر في موضعه. ولست أخفي عليكم أني لم أكن أقل القوم ارتياعًا واضطرابًا حين رأيت هذا المنظر البديع، بل ما أشك في أني كنت أشدهم ارتياعًا واضطرابًا، وأعظمهم حيرة وأعجزهم عن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت