الفهم والتأويل. ذلك أن هذا الحديث قد روعهم شيئًا ولكنه لم يذهب بصوابهم ولم يخرجهم عن أطوارهم وما أسرع ما فهموا وما أحسن ما أولوا فقد قال قائلهم:"يا معشر قريش أقدموا على أمركم، ولكن احذروا أن تنفقوا في هذا البناء مالا جرامًا، لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبًا. لا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس"."ثم غدوا إلى البيت يريدون هدمه، وقد صمموا على ذلك، ولكنهم على تصميمهم لا يجرؤون، فيندبون شيخًا منهم فيرقى إلى البيت، ويبدأ في الهدم وهو يقول في لهجة ساذجة كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأبعده:"اللهم لا ترع، إنما نريد الخير". وكان القوم ينظرون إليه معجبين به، مشفقين عليه من إقدامه دون أن يشاركوه فيما أخذ فيه، وإنما أجمعوا أمرهم بينهم أن ينتظروا ليلتهم، حتى إذا أصبحوا رأوا، فإن كان قد نزل بالشيخ مكروه أو ألم به خطب، علموا أن ربهم غاضب، فأصلحوا ما هدم الشيخ وتركوا البيت على حاله. وإن غدا عليهم سالمًا موفورًا علموا أن ربهم راض، فمضوا في الهدم وأقاموا البناء. وأصبح الشيخ سليمًا معافى، فقد أعلى عمله وغدوا معه حتى هدموا البيت. ثم جعلوا يجمعون الأحجار يسعون في جمعها بأنفسهم لا يستأجرون لذلك أحدًا، ولا يكلون ذلك إلى رقيق يرون النهوض بذلك حقًا عليهم وشرفًا يبقى لهم في أعقابهم. وأخذت أنا أبني لهم البيت أقيمه على أسسه القديمة التي لم يمسوها. ولهم في هذا البيت حجر يعظمونه ويكرمونه، ويرونه هبة لهم من ربهم فلما بلغ البناء إلى حيث يجب أن يوضع هذا الحجر اختلف القوم بينهم. أيهم يضعه موضعه، فكلهم ابتغى لنفسه هذه المأثرة، وكلهم حرص عليه أشد الحرص، وإذا اختلافهم يستحيل إلى خصومة، وإذا خصومتهم تبلغ من الشر أقصاه، وإذا هم يتلاصون ويتناذرون ويؤذن بعضهم بعضًا بالحرب، وقد وقف البناء، وفسد الأمر بين القوم فسادًا عظيمًا، وأقاموا على ذلك أيامًا وليالي، وتحالف بعضهم على الشر، فجاؤا بجفنة قد ملؤوها بالدم وغمسوا فيها أيديهم وهم يقسمون ليستأثرن بهذا الشرف أو ليموتن من دونه. ثم يجتمع الملأ منهم صباح يوم فيتناهون ويتناصحون، ثم يشير عليهم شيخ منهم بأن يحكموا في هذه الخصومة أول داخل عليهم من باب من أبواب المسجد يسمونه باب بني شيبة. فلا يلبثون أن يدخل عليهم من الباب رجل شاب لم يروا أجمل منه طلعة، ولا أعظم منه هيبة، ولا"