فهرس الكتاب

الصفحة 1223 من 3251

أحسن من سيرة في قومه. سمعت من أنبائه الشيء الكثير، ولكني استيقنت أنه رجل عظيم الخطر حين رأيتهم ينظرون إلى مقدمه مبتهجين ويصيحون:"هذا الأمين، قد رضينا، هذا محمد قد سلمنا"ثم يعرضون عليه الخصومة، فما رأيت وقارًا كوقاره، وما رأيت أناة كأناته، وما رأيت هدوءًا كهدوء نفسه، وما رأيت رجلًا أرفق منه بقومه، وأعطف منه عليهم، وأثر منه لهم بالخير. وانظروا إلى قضائه فيهم، فسترون كما أرى أنه لم ينتج عن تفكير إنسان، وإنما كان إلهامًا من الله.

"نزع الأمين رداءه فألقاه على الأرض، ثم وضع الحجر في وسطه ثم قال لقومه:"لينتدب من كل ربع من أرباع قريش رجل"فلما اجتمع أربعة نفر يمثلون قومه كلهم، قال:"ليأخذ كل واحد منكم بزاوية من زوايا الرداء"، ففعلوا واشتركت قريش كلها في رفع الحجر، وتقسمت قريش كلها هذا الشرف العظيم قسمة سواء عدلًا، حتى إذا انتهوا إلى البناء ربه بخلاصة هذا الشرف وخير ما في هذه المكرمة، فيأخذ الحجر بيده ويضعه في موضعه والقوم راضون فرحون قد اطمأنت قلوبهم إلى هذا العدل، واستبشروا بما كف عنهم من الشر، وبما عصم لهم من الأنفس وحقن لهم من الدماء وهنا استيقنت أني رأيت رجلًا هو أحب خلق الله إلى الله وأكرمهم عليه. ولكني لم ألبث أن رأيت شخصًا يجب أن يكون أبغض خلق الله إلى الله، وشرهم عنده مكانة كان رجلًا شيخًا حسن الطلعة جميل المنظر، عليه وقار وله سمة، ولم أكن قد رأيته في القوم قط وما كان شكله ملائمًا لأشكالهم ولا زيه مشاكلًا لأزيائهم ولكني رأيته فجأة لا أدري من أين جاء أنجم من الأرض أم هبط من السماء ؟ أقبل هذا الشيخ النجدي يناول الأمين حجرًا يثبت به الركن الأسود في موضعه فيقبل رجل من عمومة الأمين فيأبى على هذا النجدي وينحيه ويدفع إلى الأمين الحجر الذي يشد به البناء، هنالك غضب الشيخ النجدي فقال له الأمين:"إنه ليس يبني معنا في هذا البيت إلا من كان منا"فجعل النجدي يقول:"يا عجبًا لقوم أهل شرف وعقول وسن وأموال عمدوا إلى أصغرهم سنًا وأقلهم مالًا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له أما والله ليفوتنهم سبقًا، وليقسمن بينهم حظوظًا وجدودًا"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت