فهرس الكتاب
إني جعلت رب من بنية ربيطة بمكة العلية فباركن لي بها إليه واجعله لي من صالح البرية فلولى الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة وولده من بعده في زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا . انتهى من تاريخ الأزرقي . فعلم مما تقدم أن تقديم العبيد للكعبة المعظمة كان من أيام الجاهلية الأولى ، وأن المراد بالعبيد ليس هو الرقيق المملوك ولا من الخصيان كالطواشي المعروفين في زماننا ، بل المراد أي رجل حر للكعبة يقوم بخدمتها وربما كان من أبناء الرؤساء والذوات المحترمين كابن صوفة المذكور الذي كانت له إمارة الحج . وحبذا لو أن حكومتنا السعودية أحالت هؤلاء الطواشي"أغوات المسجد الحرام"إلى المعاش وأكرمتهم بمعيشة هنيئة مدة حياتهم جزاء لهم على خدماتهم لبيت الله المعظم واستبدلت بهم من فضلاء الناس الأحرار خدما للكعبة المشرفة ، وبذلك تكون حكومتنا قد سنت سنة حسنة مدى الدهر ، لأن غالب الأغوات من العوام الجهلاء ، وفي بعضهم غباوة زائدة وضعف في العقل - يقول الإمام القزويني في كتابه عجائب المخلوقات: إن الإنسان إذا خصي يضعف بدنه بخلاف كثير من الحيوانات . ولا نعلم بالضبط متى كان استخدام الطواشي"الخصيان"في المسجدين الحرمين بمكة والمدينة ، قال صاحب مرآة الحرمين: وأول من رتب الأغوات في المسجد الحرام أبو جعفر المنصور اهـ لكن نحن لا نرى أن أبا جعفر المنصور المتوفي سنة 158 قد فعل ذلك ونستدل على كلامنا هذا بأنه لو فعله أبو جعفر المنصور لذكره الإمام الأزرقي في تارخه بدون شك فقد توفي في منتصف القرن الثالث بل قبله بسنوات معدودة ، وإنما نرى أن استخدام الأغوات في المسجد الحرام كان بعد استخدامها في المسجد النبوي الذي كان في أول دولة الأكراد في زمن السلطان نور الدين الشهيد استنتاجا مما جاء في تاريخ الغازي المخطوط بخط يده بصحيفة 622 من الجزء الأول وهو نقلا عن كتاب"إتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن"وهذا ما نصه: وفي سنة (557 ) سبع وخمسين وخمسائة من الهجرة حسنوا للسلطان نور الدين الشهيد أن يرسل بعض خدم طواشيته إلى المدينة المنورة ليكونوا سدنة لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والحرم المحترم فاستحسن ذلك ، إلا أنه قال: كيف نعمل شيئا ما سبقنا إليه أحد من الخليفة قبلنا فما زالوا به حتى