وقد بين المؤلف في كتابه حكم الاسترقاق في بعض الديانات وكذلك في الديانة الإسلامية التي حثت على حسن معاملة الأرقاء وعلى عتقهم . ويستحسن أن نذكر ما قاله المؤلف المذكور رحمه الله تعالى في الفرع الخامس بصحيفة 93 عن خلاصة ما تقدم من كتابه المذكور وهو هذا بنصه: من الآيات القرآنية الشريفة والأحاديث النبوية الكريمة وأقوال الأئمة وشواهد التاريخ التي سردناها في المطالب السابقة ، يتضح أن الديانة الإسلامية قد حصرت من غير شك ولا مراء حدود الاسترقاق وعملت على إنضاب منبعه ، إذ حتمت شروطا وفرضت قيودا لا بد منها لوقوع الاسترقاق ، وبينت الطرق وأوضحت الوسائل التي يكون بها الخلاص من ربقته ، فإذا اتفق لشخص مع كل هذه الوسائط ووقع القضاء المحتوم عليه فأوقعه في الاسترقاق ، فقد رأينا أن الشريعة الإسلامية لا تتخلى عنه ولا تتركه وشأنه ، بل تبسط عليه جناح حمايتها ولواء رعايتها فتعتبره جديرا بالشفقة خليقا بالمرحمة لما تراه فيه من الضعف والمسكنة ، ولذلك وردت فيها الوصايا التي تفرض على المولى أن يعاملوا أرقاءهم كما يعاملون أنفسهم ، وأن يسعوا في إسعادهم ونعومة بالهم وتأديبهم وتهذيبهم وتعليمهم ، وأن لا يزدروا بهم ولا يضيعوا من قدرهم ، وأن يزوجوهم أو يتزوجوهن تعجيلا لتخليصهم من ربقة الرق وإيرادهم موارد الحرية . هذا وإن العتق الذي جئت فقط على ذكره قواعده العمومية وأصوله المهمة على وجه الإجمال لهو والحق يقال من أفخر ما يفتخر به الإسلام ، فإن شريعتنا المحمدية قد سعت في تقويض دعائم الاسترقاق وتدمير معالمه ، ولكن كيف العمل ؟ هل كان الموافق المبادرة بتحريم أمر امتزجت به عوائد العالم كله منذ ما وجد الاجتماع الإنساني وتوالت عليه الأيام والأعوام والشهور والدهور ، إلا أن ذلك كان يجر وراءه بلا شك انقلابا عظيما في نظام الاجتماع ، وفتنة كبيرة في نفوس الأمم والأقوام . فلهذا جاءت شريعة الإسلام بهذه الغاية من طريق آخر تزول أمامه الصعوبات وتذلل العقبات ، بدلا من تهييج العقول وإثارة الخواطر والأفكار ، بإلغاء الاسترقاق مرة واحدة ، فخوطب المسلمون بأن يتقربوا إلى الله تعالى بعتق العبيد المساكين في ظروف كثيرة وأحوال متنوعة . وحث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا على السعي في نوال هذه الغاية الجليلة ، ولذلك جاءت قواعد العتق في غاية السعة ونهاية اليسر ،