فهرس الكتاب

الصفحة 1928 من 3251

قضيت ثلاثة أيام في قرية، استمتعت فيها، بالفجر الباسم، ولم تكن تعليمات وزارة الأوقاف، عن الأذان الشرعي، قد وصلت إلى مؤذن القرية، ولهذا كان لا يزال صوته الشادي يتسلل، من نافذة غرفة النوم، وهو يعلن للمؤمنين:"الصلاة خير من النوم"وكانت أذني تتفتح لهذا الصوت الصداح، وهو يسري في سكون الليل، يحمل معه إلى قلبي الخشوع، وخشية الله. قارنت هذه الأذان بالأذان الذي أمر به اليوم، فآمنت أن ترتيب الصلوات، في جميع الأديان، لم يكن عبثا، إن التلاوة تنفذ إلى الأذان، وأما الترتيل، بالصوت الحسن، فينفذ إلى القلب، وشتان بين أن تؤمن بسمعك، وبين أن تؤمن بقلبك... وقد ذكرني هذا برجل إنكليزي التقيت به في إنجلترا في سنة (1950) خمسين وتسعمائة وألف ميلادية، وقدم نفسه لي، على أنه مسلم، وحملني إثم الظن على التفكير في أنه أسلم فرارا من زوجته، ولكنه قطع على الاسترسال في هذا الإثم، لأنه أعلمني أنه أسلم هو وزوجته وولداه وبنته، فقلت في نفسي: لعل قسم المخابرات أخرجه من دينه ليكون عينا من عيونه، على الأمم العربية أو رؤساء المسلمين ورغبت في أن أخص من التظنن والوقوف على حقيقة إسلامه، فقص علي قصته فقال: كنت قد رحلت إلى القاهرة لعمل استصحبت معي عائلتي، وسحرتنا الأحياء القديمة فاتخذناها مقاما.. وأرقت ذات ليلة فصحوت، وسمعت مؤذنا ينادي الناس للصلاة.. وكان صوته حسنا ورخيما، وكان النغم شجيا ورهيبا.. وكلما مد المؤذن في ندائه للصلاة كلما شعرت برهبة وخشوع... وشاركتني زوجتي سماعه في الليالي التالية، التي حرصنا أن لا نضيع منها ليلة.. وشعرنا أن هذا المؤذن يدفعنا ليلة بعد أخرى إلى الدخول في زمرة المسلمين.. ولم نكن في حاجة إلى الإقناع، فبمجرد أن تعلمنا نظرية التوحيد في الإسلام، أسلمنا.. ثم وقفنا بعد ذلك على أسرار هذا الدين.."ودعاني الرجل إلى بيته فرأيت أهله يقيمون الصلاة كما يقيمها فقهاء المسلمين. كانت لهذه القصة عبرة في نفسي لأني وأنا حدث لم أطرب لصوت مؤذن القرية، وحداني تفكيري الساذج أن أطال"الملا"بالمسجد أن يوقف ذلك المؤذن، وأنا أعطيه كل مصروف الشهر- وكان عشرة قروش- ليخلص الناس من صوته الأجش !."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت