أشار إليه، واستلمه بمحجنه، وقبل المحجن، والمحجن: عصا محنية الأرأس، وثبت عنه أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه أنه قبله، ولا قبل يده عند استلامه، ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم قبلها، وثبت عنه أنه استلمه بمحجن. فهذه ثلاث صفات، وروي عنه أيضاً: أنه وضع شفتيه عليه طويلاً يبكي. وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: بسم الله والله أكبر، وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: الله أكبر، وروي عن عمر أنه قبل الحجر وسجد عليه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قبل الركن اليماني ثم سجد عليه ثم قبله ثم سجد عليه ثلاث مرات. ولم يستلم صلى الله عليه وسلم ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط. فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام فقرأ: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص، فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستمله ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله. فلما قرب منه قرأ: { إن الصفا و المروة من شعائر الله } أبدأ بما بدأ الله به، وفي رواية ابدأوا على الأمر ثم رقى عليه، حتى رأي البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهدم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات. وقام ابن مسعود على الصدع، وهو الشق الذي في الصفا، فقيل له: هاهنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ذكره البيهقي. ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى- هذا الذي صح عنه في ذلك اليوم- قبل الميلين الأخضرين في أول السعي وآخره، والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه. هكذا قال جابر عنه في صحيح مسلم، وظاهر هذا أنه كان ماشياً. وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس، وليشرف. ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمرة إلا طوافاً واحداً، قال ابن حزم: لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضاً مع سائر جسده، قال ابن القيم: وعندي وجه آخر للجمع بينهما أحسن من هذا وهو أنه سعى ماشياً أولاً، ثم أتم سعيه راكباً،