نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة. وقد وقف صلى الله عليه وسلم من موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار من مزدلفة مردفاً للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه، في سباق قريش، وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها، من الجبل تلك الليلة، كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغو في الدين. وفي طريقه تلك، عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها، وكان شيخاً كبيراً لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه. وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فوضع يده على وجهه، وصرفه على الشق الآخر- وكان الفضل وسيماً- فقيل: صرف وجهه عن نظرها إليه وقيل: صرفه عن نظره إليها، والصواب أنه فعله للأمرين، فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه، سأله آخر هنالك عن أمه فقال: إنها عجوز كبيرة وإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها فقال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عن أمك. فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته، وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر، لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى وانقطع عن الذهاب، وكذلك فعل في سلوكه الحجر، وديار ثمود، فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير، و"محسر"برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه و"عرنة"برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسر من الحرم وليس بمشعر، ومزدلفة: حرم ومشعر، وعرنة ليست مشعراً ولا حرماً، وعرفة: حل ومشعر. وسلك صلى الله عليه وسلم، الطريق الوسطى، بين الطريقين، وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف، في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكباً بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ قطع التلبية، وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، ورمى وبلال وأسامة معه، أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظله بثوب من الحر،