وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالحمل ونحوه، إن كانت قصة هذا الإظلال في يوم النحر ثابتة، وإن كانت بعده في أيام منى، فلا حجة فيها. وليس في الحديث بيان أي زمان كانت والله أعلم. ثم رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله ، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: لعلي لا أحج بعد عامي هذا. وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفاراً، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وأخبر أنه ، رب مبلغ أوعى من سامع، وقال في خطبته: لا يجني جان إلا على نفسه، وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والناس حولهم، وفتح الله له أسماع الناس، حتى سمعها أهل منى في منازلهم، وقال في خطبته تلك: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم، وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع. وهناك سئل عممن حلق قبل أن يرمي، فقال: لا حرج، قال عبد الله بن عمر: ما رأيته سئل صلى الله علي وسلم يومئذ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج، قال ابن عباس: إنه قيل له صلى الله عليه وسلم في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير قال: لا حرج، وقال أسامة بن شريك: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً وكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله ! سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئاً وقدمت فكان يقول: لا حرج لا حرج، إلا على رجل اعترض عرض رجل مسلم، وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك، وقوله: سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ- والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض، ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، بيده، وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى، وكان عدد هذا الذي نحره، عدد سني عمره، ثم أمسك، وأمر علياً أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمر علياً، رضي الله عنه، أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارته شيئاً منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا، وقال: من شاء اقتطع- وقد نحر صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى، وأعلمهم أن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة طريق ومنحر، وفي هذا دليل، على أن المنحر لا يختص بمنى، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه. كما أنه لما وقف بعرفة، قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ولما وقف بمزدلفة قال: وقفت هاهنا ومزدلفة كلها موقف. وسئل صلى الله عليه وسلم أن يبني له بناء يظله