فهرس الكتاب
بالماء علا فوقه . وكانت علب الكبريت في تلك الأيام ، في أحجام مستديرة كالأسطوانات الصغيرة ، وأعواده لم تكن من الخشب ، بل كانت من الفتيلة الرفيعة المشمعة ، وكل علبة أعوادها كانت ملونة بعدة ألوان . فسارت أحوال الناس على هذا النوال وتعبوا قليلا ، لكن لم يدم هذا التعب أكثر من عام واحد وأقل ، ثم انفرجت الأزمة وجاء اليسر بعد العسر حيث انتهت الحرب العالمية الأولى العظمى ، فكان الناس ، إلى وقت قريب ، يطلقون على هذه السنة المذكورة سنة"الضرة"حيث أكلوا فيها دقيق الذرة ودقيق الدخن . فدوام الحال من المحال . ومما شهدناه ورأيناه أيضا من الأحوال في مكة المكرمة نقول إنه لما تولت الحكومة السعودية للمرة الثانية على الحجاز في شهر ربيع سنة (1343) ألف وثلاثمائة وأربعون هجرية ، ومرت سنوات على ذلك ، حدثت أزمة شديدة في البلاد ، أي ابتداء من سنة (1356) تقريبا ، ودامت هذه الأزمة سنوات عديدة إلى سنة (1365) تقريبا ، فكانت الحكومة السعودية لا تقدر أن تدفع رواتب الموظفين ، إلا في كل ثلاث أو أربعة أشهر مرة واحدة ، فتعب الناس أشد التعب ، ورأوا ألوان الشدائد ، لكنهم صبورا صبر الكرام ، وفوضوا أمورهم إلى الملك العزيز العلام ، حتى انفرجت هذه الأزمة بسلام . فكانت الحكومة السعودية ، إذا أمرت بصرف الرواتب كان يوم صرفها يوم عيد وفرح وعندهم إذا سمع الناس الإشاعات حول صرف الرواتب لا يصدقونها أبدا ، إلا إذا شاهدوا صرف الرواتب بأعينهم وقبضوها بأيديهم ، ولقد مرت على الناس حوادث كثيرة وحكايات عديدة ، بسبب هذه الشدة ما زالوا يتناقلونها فيما بينهم ، ويتحدثون بها إلى الآن . وبعد مرور هذه العاصفة الطويلة ، التي دامت سنوات عديدة ، أتى الله بالفرج العظيم ، وأبد ذلك العسر بيسر كبير ، فتبدلت أحوال الناس ، وانتعشت مرافق حياتهم ، وصارت الأموال لدى بعضهم بدون حساب وقد صار بعضهم مليونيرا وطبعا هناك طبقة فقيرة ، وهي الأكثرية ، وهذه سنة الله في خلقه ، فالحمد لله على كل حال وسبحان مغير الحال والأحوال .