فهرس الكتاب
التسعيرة ومقاومة الاحتكار في هذه الأزمنة المتأخرة في البلاد ، كثر جشع بعض التجار ، فصار الربح المعقول ، بل الكسب المضاعف لا يرضيهم ، ولا يقنعوا إلا إذا جاءهم عشرة أضعاف ربح على رأس المال وأصل قيمة البضاعة ، وكذلك كثر احتكار الأطعمة في البلدان رجاء زيادة الأسعار في المستقبل ، مع علمهم بأن احتكار الطعام حرام شرعا ، على أن الله تعالى ينتقم من هؤلاء الجشعين والمحتكرين انتقاما ليس بالفظيع المخيف ، وإنما هو انتقام بلطف من وراء ستار ، فكم نرى ونسمع من ذهاب أموالهم في غير طريقها ، كالحريق والسرقات وكثرة الأمراض التي يضطرون إلى بذل الأموال الكثيرة في المعالجة ، وكتبسيط الرطوبة والسوس والدود ، في كل ما هو مخزون من أنواع الدقيق والحبوب وفساد الأطعمة ، ومع ذلك لا ينتهون عن عن غفلتهم وتهاونهم ، بل أنهم يعرفون كيف يصرفون هذه الأطعمة الفاسدة بالبيع على الفقراء والمساكين: ولهم في ذلك حيل هم أدرى بها . وقد ورد النهي والتحذير عن الغش والاحتكار ، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا"رواه مسلم عن ابن عمر وأبي هريرة ، رضي الله عنهما . وقال صلى الله عليه وسلم:"احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه"رواه أو داود . وقال عليه الصلاة والسلام:"احتكار الطعام بمكة إلحادا"رواه الطبراني . قال العلامة الحفني في حاشيته على الجامع الصغير عند الحديثين المذكورين ما نصه: قوله:"احتكار ... الخ"هو شراء ما يقتات وحبسه إلى الغلاء فهو حرام ولو في غير الحرم ، وخص الحرم لأن الإثم به أشد ، أما لو اشترى غير طعام أو طعاما غير مقتات بقصد ادخاره إلى الغلاء لم يحرم ، وخرج بالشراء ما لو كان عنده بر مثلا يأكله فادخره إلى الغلاء فلا يحرم ، وكذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالا أو في زمن الرخاء فلا حرام . انتهى من الحاشية المذكورة . ومن المستحسن أن نذكر هنا ما دار في أحد مجالس الشرع الحنيف في العصور السابقة من النظر في أمر التسعيرة ومقاومة الاحتكار ،فقد جاء في كتاب"مثل عليا من قضاء الإسلام"تأليف الأستاذ محمود الباجي والمطبوع بتونس سنة (1376) هجرية ما يأتي: