فهرس الكتاب
من قضاة الإسلام البارزين الذي ولي القضاة ببلاد شرق الأندلس ، أو الوليد سليمان بن خلف الباجي ، شهد فيه القاضي عياض بأنه جال ببلاد المشرق نحو ثلاثة عشر عاما ، وهو في درجة واحدة مع القاضيين عياض بن موسى اليحصبي ، وأبي بكر بن عبد الله بن العربي . وقد عرف الناس فضل الباجي في الأدوار الأخيرة من حياته وبعد وفاته ، لأنه كان صلبا في رائه قويا في معارضاته ، لا يخضع إلا للحق ولا يخشى في سبيله لومة لائم . وقد جر عليه هذا الخلق الأبي ، محنا ومقاومات وفتنا ، غير أنها لم تنل من نفسه الكبيرة شيئا . ولم تحمله على تغيير سلوكه . ومن شعره قوله: إذا كنت أعلم علما يقينا بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنينا بها وأجعلها في صلاح وطاعة دخل الحاجب ، يستأذن على ابن عبدوس ، والي الحسبة ، وكان أبو الوليد يطالع كتاب الموطأ ، وقد وضعه على محمل من الأبنوس المطعم بالأصداف ، فإذن للوالي بالدخول ، ولم يدخل الجمهور الذي وفد يتبع الوالي . وكان متأنفا من باعة الأطعمة والجالبين للأسواق . وبعد إفشاء السلام والتحية ، قال الوالي للقاضي: أن سوق المدينة يجتاز أزمات متعاقبة ، بسبب اضطراب الأسعار وعدم استقرارها ويحدث أن ترتفع الأسعار دفعة واحدة ، فيطمع الجالبون في الأرباح وتكثر الواردات ، وتهبط الأسعار هبوطا فاحشا ، فيخسر الجالبون وتضعف الثقة بالسوق . وإني أوشك أن أحمل الناس على سعر موحد ، وقد جئت للتحصيل على الموافقة الشرعية ، والرأي الأسد ، للمولى القاضي . وعلى الامتثال والطاعة . فعقد القاضي ، أبو الوليد ، لتوه ، مجلس الاستشارة الشرعية ، للبت في هذا المشكل الشرعي . وبعد بسط نظرية الوالي افتتح المجادلة . فقال شيخ أهل الشورى:"إن مالكا يرى أنه إذا كان للناس سعر غالب وأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع . أما إذا أراد أن يبيع بأقل فقد روي عن مالك رأيان: رأي بالمنع على اعتبار أنه إذا أراد الرجل إفساد السوق فحط عن سعر الناس فيقال له: إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت بضاعتك ."