نواحي نشاطها ، وأي قانون اتسع لأحوال المعاملات كما اتسع لها القانون الإسلامي ، و أي قضاء كان له ثراء في فقهه ، ودقة في تصويره ، وعمق في نظره كقضاء الإسلام . وإن تعجب فعجب لهؤلاء الذين يسرعون بالالتجاء إلى أنظمة وضعها الناس ، وقواعد اصطلحت عليها العوائد ونظريات لم تمحصها التجارب ، ولم تصقلها العقول والأجيال ، ويزهدون فيما خلقه لهم الإسلام من تراث كبير ومجد عريض . لقد أصدر أبو الوليد الباجي حكمه في الفترة التي بين أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس وفي أزهر عهود الأندلس ، وألمع حقبة من تاريخها الحافل ، وجاء ذلك الحكم دقيقا في نصه ، حازما في تدابيره ، حكيما في مراميه ، ودل على ما كان سائد من الانسجام بين ديوان القضاء العدلي ، وديوان الحسبة ومقام الخلافة ، وعلى بساط الإجراء ، وسرعة البت . انتهى من الكتاب المذكور . إبطال المكوس والجمارك نقول: بمناسبة ذكرنا للمكوس والعشور ، أن بعض الملوك والسلاطين الأتراك كانوا قد رفعوا ومنعوا العشور والمكوس"أي الجمرك"على جميع البضائع والحاجيات المستوردة إلى بلادهم - فمن جملة ذلك - ما هو ثابت على أحد أعمدة المسجد الحرام بالجهة الغربية ، أي أن العمود الرخامي الموجود بين باب الباسطية وباب العمرة مكتوب عليه ، بالنقر على نفس الرخامة: أن أحد الملوك قد أمر بإبطال جميع المكوس من الحرمين الشريفين ، فمنع أخذ العشور على جميع أنواع ما يرد إلى مكة المشرفة من الحبوب والأغنام والدجاج وغير ذلك ... الخ . ولم نقدر على معرفة تاريخ الكتابة في هذه الرخامة ، كما لم نقدر على معرفة اسم الملك الذي أمر بذلك لارتفاع الكتابة على الرخامة عن أرض المسجد الحرام ، ولم نجد سلما في تلك الساعة لنصعد عليه ونطلع على كل ذلك حرفيا ،فنظن أن ذلك كان في القرن التاسع أو العاشر من الهجرة . يقول صديقنا الأستاذ أحمد السباعي في كتابه"تاريخ مكة"وقد حدثنا الدحلان فيما ذكر عن سني الفتنة فقال: أن قيمة الكلية من القمح والأرز كانت تبلغ مشخصين وأن الرطل من السكر والشحم والزيت كانت تبلغ قيمته ريالين ولا نعرف فداحة هذا الغلاء إلا إذا قارنا هذه الأسعار بما يورده الدحلان نفسه عن