"أما صلاة الجمعة في الحرم فقد اهتز لها كل وجودي ، وقد أثارت أمام ذهني صورة مجسمة من المعاني السامية كنت أقدسها من قبل ، ولكني لم أكن ألمسها لمسا ماديا ، ولم أكن أراها بارزة بالوضوح الذي رأيتها به أثناء هذه الصلاة ولا إثرها . ولقد جلست مكاني والناس ينصرفون من المسجد أفكر فيما رأيت فلا أجد من مزيد التفكير فيه إلا مزيدا في تأثري به وإكباري له . ولولا أن جاء صاحبي يدعونني لمغادرة المسجد إلى الدار لأقمت حيث كنت مسترسلا في التفكير ملتمسا العبرة البالغة . وما أكبرها عبرة وما أبلغها عظة . وأبلغ أثر تركته هذه الصلاة في نفسي هذا النظام الكامل لعشرات ألوف يخطئها العد عن الإسلام به ، وإيمان بوجوده ، وحب إياه ، وإقبال عليه ، فها هي ذي عشرات الألوف تقف وراء الإمام صامتة خاشعة متجهة بكل قلوبها إلى الله مؤمنة إيمانا كاملا بكل كلمة وكل حرف من هذه السبع المثاني التي يتلوها الإمام إذ يتلوا سورة الفاتحة ثم تتلوا هذه السبع المثاني من بعدها لحمد رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين لا تعبد إلا إياه ، ولا تستعين إلا إياه ، تستهديه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم فلم يغضب عليهم ولم يضلوا . وها هي ذي عشرات الألوف من كل الأجناس والألوان واللغات ينتظمها إيمان واحد بهذا الذي تتلو ، إيمان لا يتلجلج ولا يكبو ، فإذا سمعت التكبير للركوع ركعت جميعا مؤمنة تسبح بحمد ربها العظيم الذي تؤمن به وتقدسه وإذا سمعت التكبير للسجود تسبح بحمده كرة أخرى . وها هي ذي تعيد الركعة الثانية حمدها وتسبيحها واستغفارها ربها وعبادتها إياه واستعانتها به في مثل نظامها في الركعة الأولى ، وتتجه كل هذه الألوف في هذا النظام الذي يأخذ بالقلوب والأفئدة إلى بيت الله من جوانبه الأربع . أي جيش جيش الإيمان هذا ، وأية قوة في العالم تستطيع أتغلب هذا الجيش أنه عرف كيف ينظم الحياة مثل نظام الصلاة الجامعة ، وأن يجعل الإيمان قواما لنظام الحياة كما أنه قوام هذه الصلاة ، ألا لو أن ذلك كان واجتمع من في الأرض جميعا لما غلب قوما ذلك إيمانا وذلك نظامهم وذلك سموهم إلى الله وهذه عبادتهم إياه وحده لا شريك له . الإيمان قوام هذا النظام البالغ في كماله ، الذي جمع الأوروبي والإفريقي والآسيوي وأهل الأرض جميعا في صعيد واحد . والإيمان هو الذي جعلهم أخوة"