فإذا أنت اتصلت بالله وحده ، وعبدته وحده ، واستعنته وحده ، لم يكن للماء ولا للملك وللإمبراطورية البريطانية ولا لأوربا ولا لقوة من القوى بالغا ما بلغ كبرها أي سلطان عليك . وما هذه القوى جميعا وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، وإن من التجديف حين نذكر أن الله أكبر من كل كبير وأعظم من كل عظيم ، أن نذكر هذه القوى الضئيلة في حياة الكون والتي تبدو اليوم وتختفي غدا ، وتقوى اليوم وتضعف غدا ، وتوجد اليوم وتنعدم غدا . يبتلع البحر من الأرض ما شاء الله أن يبتلع ، ويذهب الأقوياء فلا يبقى لهم بعد ذهابهم إلا ذكر قوتهم ، لكن الأرض إلى يسير عليها هؤلاء يعيشون ويأكلون وإلى ثراها يرجعون ، ما أكبرها ، لكن الله أكبر . والشمس ما أكبرها ، لكن الله أكبر . والوجود كله من محسوس نشهده وغائب نتوسمه ما أكبره ، لكن الله أكبر ."وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم". وعبادة الله والاستعانة به تقضيانك علم ما خلق ، والسعي في مناكب الأرض ، وإدراك أسرار الحياة . وأنت أعظم اتصالا بالله كلما كنت من هذا العلم وهذا السعي وهذا الإدراك أكبر حظا . وإيمانك الحق بهاتين الكلمتين ينقلب إيمانا آليا لا ينفع ولا يضر إذا لم تسع ولم تدرك ولم تتصل بنوره العظيم . وإذا علمت هذا وعلمت به ودأبت لتدرك عظمة الله في خلقه ما نرى ، وما نحس وما يجاوز إحساسنا ، إذن فن يغلبك غالب وأنت فرد . فأما إن علمته أمه وعملت به آمنت عن إدراك صحيح بأن الله أكبر ، فقد حق لها أن تتولى هدى العالم إلى الحق في أسمى صورة وأرقى درجاته ، هدى يصل بالإنسانية إلى ما تبغي من مجد الإخاء في الله ، إخاء هو وحده الجدير بالإنسانية حين تبلغ من التقدم درجة حسنى . ما بال هذه الألوف المؤلفة من المسلمين الذين يصلون الجمعة في الحرم ، ثم ما بال إخوانهم الملايين من المسلمين المنتشرين في بقاع الأرض جميعا ، وهم يؤدون صلاتهم في هذا النظام البالغ ويسمعون هاتين الكلمتين ويكررون في صلاتهم"الله أكبر"مرات وعشرات المرات ، ما بالهم فيما هم فيه من ضعف وجمود وخضوع لسلطان الغير وحكمه ؟ فكرت في هذا حين أربت إلى الدار واعتكفت