في غرفتي . فكرت فيه متألما ثائرا بهؤلاء الذين أوتوا أسباب القوة فضعفوا وهانوا ، وأوتوا سبيل العزة فذلوا واستكانوا . وكيف لا تثور النفس حين ترى هذا النظام البالغ ثم ترى ما هم فيه من هوان وفوضى ، ومن شأن من ينتظمهم الإيمان السليم البالغ ثم ترى ما هم فيه من هوان وفوضى ، ومن شأن من ينتظمهم الإيمان السليم به أن يكونوا العزة والقوة . ولم ألق عسرا في الوقوف على علتهم ، فنظامهم هذا ينقصه الروح ولذلك غاضت حياته ، فانقلب آليا ، فانقلبت على أهله غايته . وهذا هو السبب فيما هم فيه وما سيظلون فيه ، حتى يغيروا ما بأنفسهم ليغير الله ما بهم . الروح ينقص هذا النظام ولا ريب الروح المستمد من الإيمان الكامل . أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"والكثرة من هؤلاء المصلين لا يفكر أحدهم في أخيه ولا يحب إلا نفسه . هو لم يحضر إلى مكة ولم يفرض الحج ولم يستو مع الناس في صلاة الجماعة بالحرم ليكون لإخوانه المؤمنين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، بل جاء إلى مكة حاجا وحضر صلاة الجماعة ابتغاء المغفرة لنفسه والثواب لنفسه دون تفكير في المؤمنين ممن حوله ، وليس هذا شأن المسلمين اليوم وفي هذا العصر الأخير وكفى ، بل هو شأنهم"مع الشيء الكثير من الأسف"منذ مئات السنين التي خلت: منذ انتقال الأمر بينهم من الشورى إلى الاستبداد ، ومن الاجتهاد إلى التقليد ومن الاستهانة بالموت إلى حب الحياة ، ومن عبادة الله وحده إلى عبادة المال وأرباب المال . ومن ذلك اليوم البعيد عنا ، حينما كان تاريخ الأمة الإسلامية ما يزال مزدهرا ، بدأت الأثرة تبلغ من المسلمين أن صار أحدهم لا يعرف إلا نفسه ولا يحب إلا نفسه . ويحسب مع ذلك أنه يستطيع الوصول إلى رضا لله باعتزاز إخوانه المؤمنين ، وبالانقطاع عن التفكير في أمر نفسه . ومن يومئذ نسي المسلم أنه إذ يقول وهو يصلى لله:"إياك نعبد وإياك نستعين"، أنه يتحدث عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين ، وكأنما خيل إليه في غرور أنه بهذه الصيغة يعظم نفسه وهو يخاطب ربه . وحيثما بلغت الأثرة من النفوس هذا المبلغ ضعف إيمانها وتزعزع يقينها وتعلقت بالحياة وأذعنت خاضعة لكل سلطان يملك عليها أسباب المادة في الحياة . هناك تنزوي الروح ويضمحل سلطانها على النفس . وهناك تتهلهل أواصر الاتصال بين المؤمنين وتضعف أخوتهم فيضعفوا جميعا . وهناك تصير حياتهم حياة أفراد تنتهي بالموت لا حياة أمة تتصل على الزمان ولها في شهدائها وفي موتاها