المدقق الخبير بالفنون الجميلة، النقوش العجيبة والزخرفة البديعة المحفورة في نفس حجر الرخام، كيف أنهم حفروها فيه في ذلك الزمن الذي لم تستكمل فيه الصناعات الدقيقة جميع أدواتها وآلاتها، ولكن ذلك لا يستبعد على دولة آل عثمان وسلاطينهم الفخام، وهذه آثارهم في الحرمين الشريفين وغيرهما شاهدة على ما لهم من التقدم المطرد في الصناعات الدقيقة والاختراعات العجيبة. ولا يزال هذا المنبر إلى اليوم، وقد مر عليه أكثر من أربعمائة عام قويا متينا حافظا لرونقه وشكله الجميل، على أنه معرض للشمس والمطر والسيول والغبار، آناء الليل وأطراف النهار، لأنه واقع قرب المطاف، لا يحجبه سقف ولا جدار، فهو بجوار مقصور مقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بينه وبينها أربعة أمتار، وعدد درجاته، من بابه إلى موضع جلوس الخطيب، أربعة عشرة درجة ويبلغ طوله 580 سنتيمترا وعرضه 186 سنتيمترا ( هذا القياس أخدناه بأنفسنا) أما مقدار ارتفاع هذا المنبر، من أرض المطاف إلى هلال قبته، فيبلغ اثني عشر مترا تقريبا، كما قاله الشيخ عبد الله باسلامة في كتابه، رحمه الله تعالى. وكانت أول خطبة خطبت عليه هي خطبة عيد الفطر خطبها السيد أبو حامد النجاري أما تركيب الهلال عليه فقد كان سنة (1020) أرسله السلطان أحمد خان فركب عليه. انظر: صورة رقم 133، المنبر الحالي. ومن عجيب أمر هذا المنبر الجميل ما رواه الغازي، في تاريخه، نقلا عن كتاب"تحصيل المرام"وهذا نقلا عن تاريخ السيد مصطفى بن سنان الشهير بجناني أنه قال:"لما كانت سنة خمس وستين وتسعمائة أمر الملك المجاهد، سليمان بن سليم خان، بعمل المنبر، الذي بالمسجد الحرام، وأن يعمل من رخام في طراز بديع، فلما حفروا مكان الأساس ظهر رجلان ميتان مدفونان بما عليهما من السلاح، ولم يفقد منهما شيء، فاختلف الناس في أمرهما، وأما أنا فلم أشك في كون أحدهما عبد الله بن عثمان، لأنه استشهد مع ابن الزبير وخفي أثره ودفن في المسجد، خوفا من أن ينبشه أصحاب الحجاج، والآخر عبد الله بن صفوان"والعلم لله، انتهى من الغازي.