فهرس الكتاب
وبأن يتحبب إلى الرعية ، ويتسامح مع المسيئين إليه ويبر بالمعوزين والذين خانهم الحظ في الحياة . ووفى المهدي بعهد أبيه ، ففتح أبواب السجون وبعث منها من دفنهم فيها أبوه وأعاد إليهم أموالهم وأملاكهم التي جردوا منها . وقد بلغت نحو ستمائة مليون درهم وأربعة عشر مليونا من الدنانير ، وأعلن أنه يرغب في استماع شكايات رعاياه دون أن يكون بينه وبينهم وسيط ، وأنه في أيام معينة من أيام الأسبوع ، يفتح أبواب قصره ليدخلها من يريد بلا استئذان ، ليمثل بين يديه ، ويخاطبه في الأمر الذي يشكو منه . وهكذا أحبه الناس ورفعوا أكف الضراعة إلى الله ، أن يطيل عهده ويدفع عنه الأذى . كانت الشمس قد أشرقت على المغيب عندما خرج من القاعة آخر واحد من أصحاب الشكايات في ذلك اليوم الذي اشتدت فيه وطأة القيظ فنهض المهدي متعبا وفي رأسه صداع وفي أذنيه طنين ، وتوجه لساعته إلى حجرة جاريته المحبوبة"الخيزران"حيث استلقى على الوسائد ، طلبا لراحة الجسم والبال . وأسرعت إليه الخيزران تلاطفه وتدلله ، وترطب فمه بالشراب وجبينه بالعطور ، مرددة بلهجة عذبة ما تعودت أن تقوله له كل يوم: إنك ترهق نفسك يا أمير المؤمنين ، وتحملها فوق طاقتها .. وهل البر بالرعية ، والوفاء بالعهد الذي قطعته لأبيك ، يقضيان عليك بأن تنهك قواك إلى هذا الحد ، وتصنع فوق ما تستطيع ؟ فأجاب المهدي: ومن يرفق بالناس إذا لم أعمد أنا إلى الرفق بهم ؟ عليك أن ترفق بنفسك أولا ، وأن يحل وزرائك محلك في الرفق بالناس . قد يخطئون . وقد يقصرون ، وفي خطئهم وتقصيرهم إخلال بالعهد المقطوع . ولكن خيزران لم تقنع ، وكانت تحب سيدها وتتفانى في خدمته والترفيه عنه . فاستطردت قائلة: أتظن يا أمير المؤمنين أن جميع الذين يشكون من ظلم ، أو فقر ، أو من فاقة ، يجرؤون على المجيء إليك في قصرك ، والدخول عليك في ديوانك ، والمثول أمامك بدون أن تتولاهم بالرهبة ويعقد الخوف ألسنتهم ؟ كلا .. إن القليل يجرؤون على