فهرس الكتاب
يتردد الإنسان في صحتها وتلك الثروة العظيمة تتداولها الأيدي فتروج التجارة وتقضى الحاجات وتكثر المدنية وعلى تلك السنة زادت ثروة الناس بتلك المدينة العظمى . واشتد بهم الترف حتى يقال: أن جعفر بن يحيى بنى قصرا أنفق على بنائه عشرين ألف ألف درهم وتعالى الناس في حاجاتهم وتأنقوا في معيشتهم حتى صارت بغداد تبهر أعين زوارها لما يرونه من بعد الشقة بين ما عندهم وما يرون من ردائها وبذخ شأن كل أمة سالت عليها سيول الثروة . انتهى من محاضرات الخضري . نقول: لقد كان هارون الرشيد من أغفل الخلفاء العباسيين وكان ملكه واسعا وخزانته كثيرة عامرة ، وكان يقول للسحابة إذا رآها: أمطري حيث شئت فخراج الأرض التي تمطري فيها يجيء إلي - رحمه الله تعالى . وأما العلم فإن بغداد صارت قبلة لطلاب العلم من جميع الأمصار الإسلامية يرحلون إليها ليتمموا ما بدوءا فيه من العلوم والفنون فهي المدرسة العليا لطلاب العلوم الدينية والعربية على اختلافها فقد كان فيها كبار المحدثين والقراء والفقهاء وحفاظ اللغة وآداب العرب والنحويين وكلهم قائمون بالدرس والإفادة لتلاميذهم في المساجد الجامعة التي كانت تعتبر مدارس عليا لتلقي هذه العلوم وقلما كان يتم الإنسان وصف عالم أو فقيه أو محدث أو كاتب إلا إذا رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها وجميع هؤلاء العلماء كانوا يعيشون عيشا رغدا مما كان يفيضه عليهم الرشيد والبرامكة ومن دونهم من الخير الواسع والبر العميم ولم تكن بغداد بالمقصرة في علوم الدنيا كالطب والحكمة وغيرها من سائر الصناعات فقد حشد إليها الأطباء والمهندسون وسائر الصناع من الأقاليم المختلفة فاستفادوا من علوم من سبقهم من الأمم في المدنية كالفرس وأهل الهند وأهل الروم والصائبة وغيرهم وزادوا على تلك العلوم بما منحوا من المواهب العقلية وسنرجئ الكلام على النهضة العلمية في بغداد إلى زمن المأمون ... انتهى من المحاضرات . وقال القطبي في تاريخه: يروى عن أبي معاوية الضرير قال: أكلت مع الرشيد يوما ثم صب على يدي من لا أعرفه ، ثم قال له الرشيد: أتدري من يصب عليك ؟ قلت: لا ، قال: أنا إجلالا للعلم . اهـ .