فهرس الكتاب
وكان يسمع وعظ الواعظين وهو عند ذلك رقيق القلب سريع الدمعة ، دخل عليه ابن السماك الواعظ فقال له الرشيد: عظني . فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له واعلم أنك غدا بين يدي الله ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلين لا ثالث لهما جنة أو نار . فبكى هارون حتى أخضلت لحيته . فأقبل الفضل بن الربيع على ابن السماك ، فقال: سبحان الله وهل يتخالج أحدا شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في عباده وفضله . فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله له ولم يلتفت إليه ، وأقبل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عنك في ذلك اليوم فاتق الله وانظر لنفسك . فبكى هارون حتى أشفق عليه الحاضرون وأفحم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرف . ودخل عليه مرة أخرى فبينما هو عنده إذ استسقى ماء فأتى بقلة من ماء ، فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها ، قال له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها ؟ قال: بنصف ملكي . قال: اشرب هنأك الله . فلما شربها ، قال له: أسألك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها ؟ قال: بجميع ملكي . قال ابن السماك: إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير ألا ينافس فيه . فبكى هارون . ولا يزال الملوك بخير ما سمعوا الوعظ وتأثروا به ولا تزال الأمة بخير ما كان فيها من يعظ الملوك ولا يخشى سطوتهم . انتهى من المحاضرات . وروي: أنه أخلي للرشيد في بعض حجاته المسعى ليسعى فيه ، فتعلق ببغلته وهو يسعى ، عبد الله بن عمر بن عبد العزيز . فوقف له هارون وأقبل عليه . فصاح به: يا هارون فقال: لبيك يا عم ، قال: ارق إلى الصفا . فلما رقي قال: ارم بطرفك إلى البيت قال: قد فعلت ، قال: كم هي ؟ يعني الحجيج ، قال: ومن يحصيهم إلا الله تعالى . قال: فعلم أن كل واحد من هذه الخلائق يحاسب عن خاصته نفسه ويسأل عنها وحدها يوم القيامة ، وأما أنت وحدك فتسال عنهم أجمعين فانظر كيف يكون جوابك حين تسأل يوم القيامة ، فبكى هارون بكاء شديدا ، وخدمته يعطونه منديلا بعد منديل وهو يبللها بدموعه ثم قال له: وأخرى أقولها لك: إن الرجل إذا أساء التصرف في ماله حجر عليه ، فكيف أنت تسرف في أموال المسلمين وتسيء التصرف فيها وأنت محاسب عليها بين يدي الله تعالى ،