التاريخ القويم وكانت الأساطين المبنية سابقا على نسق واحد في جميع الأروقة فظهر لهم أن ذلك الوضع لا يقوى على تركيب القبب عليها لقلة استحكامها إذ القبة يجب أن يكون لها دعائم أربعة قوية تحملها من جوانبها الأربع فرأوا أن يدخلوا بين أساطين الرخام الأبيض دعامات أخرى تبنى من الحجر الشميسي يكون سمكها مقدار سمك أربع أسطوانات من الرخام ليكون مقيما لها من كل جانب فتقوى على تركيب القبب من فوقها ويكون كل صنف من أساطين الأروقة الثلاثة في غاية الزينة والقوة ففي أول ركن من الرواق الأول دعامة قوية مبنية من الحجر الشميسي ثم أسطوانة رخام كذلك ثم دعامة من الحجر الأصفر الشميسي وعلى هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق ثم الصف الثاني من الرواق الثاني كذلك على هذا المنوال إلى آخر هذا الصف من أساطين الرواق ثم الصف الثالث من الرواق الثالث على هذا المنوال وبنيت القبب على تلك الدعائم والأساطين في دور المسجد جميعه وشرعوا من ركن المسجد الشريف وأزالوا ما كان قبل ذلك من الازورار والاعوجاج والحجر الشميسي نسبة إلى شميس تصغير شمس جبل بقرب بئر شميسي وهي حد الحرم من جانب جدة به جبيلات صفر تكسر منها هذه الأحجار وتحمل إلى مكة مسافة ما دون ليلة فكان في إدخال هذه الدعامات الصفر ما بين الأساطين البيض حكمة أخرى غير الاستحكام والزينة وهي أن أساطين الرخام الباقية من المسجد كانت لا تفي بجوانبه الأربع لأن الجانب الغربي احترقت أساطينه الرخام وسقفه أيام الجراكسة في دولة الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتين وثمانمائة وأرسل من أمرائه الأمير سيف الظاهري إلى مكة المشرفة فعمر الجانب الذي احترق من المسجد الحرام بالحجر الصوان المنحوت كما قدمنا ذكر ذلك في محله وصارت الجوانب الثلاثة من المسجد الحرام بالحجر وهي الجانب الشرقي والجانب اليماني والجانب الشامي على نسبة واحدة أساطينها من الرخام الأبيض وأما أساطين الجانب الغربي جميعها فمن قطع الحجارة المنحوتة من الحجر الصوان غير مناسبة للجوانب الأخرى الآن فبإدخال هذه الدعامات الصفر