التاريخ القويم فلما تم عملها اجتمع المباشرون والعمال لديها وأخرجوا دفترهم لإخراج حسا بما أصرفوه من عهدة ما تسلموه من خزائن الأموال وكانت في قصر عال مطل على الدجلة فأخذت الدفاتر ورمتها في بحر الفرات وقالت تركنا الحساب ليوم الحساب فمن بقي عنده شيء من بقية المال فهو له ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه ثم ألبستهم الخلع والتشاريف فخرجوا من عندها حامدين شاكرين وبقي لها هذا الأثر العظيم في العاملين رحمها الله تعالى وأسكنها الفردوس في أعلى عليين انتهى ولقد ذكرنا عن عين زبيدة فصلا خاصا فيما تقدم ولا نريد هنا إعادة الكلام والحقيقة أن عملها هذا كان عظيما جبارا يذكره الناس لها إلى ما شاء الله وما تعاقب الحجيج إلى بلد الله الأمين عاما بعد عام وكثير من الناس يعتقد أن عين زبيدة بمكة متصل ببغداد بالفرات ولكن لا صحة لذلك مطلقا بل وغير معقول ذلك وإنما جاء هذا الوهم مما عملت أيضا في طريق الحج من بغداد إلى مكة من الآبار والصهاريج والبرك فكانوا يقولون إن زبيدة أوصلت الماء من بغداد إلى مكة ومن هنا جاء الوهم فظن بعضهم أن الماء وصلت في قنوات ومجاري تحت الأرض من بغداد إلى مكة والحقيقة هي كما ذكرنا جاء في تاريخ ابن خلكان ما نصه قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الألقاب أنها أي زبيدة سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الراوية عندهم بدينار وأنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال ونحت الصخر حتى غلغلته من الحل إلى الحرم وعملت عقبة البستان فقال لها وكيلها تلزمك نفقة كثيرة فقالت اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار وإنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن ولكل واحدة ورد عشر القرآن وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن وإن اسمها أمة العزيز ولقبها جدها أبو جعفر المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها انتهى منه قال ابن كثير في تاريخه كان لزبيدة من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شيء كثير وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم توفيت زبيدة ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشر ومائتين