التاريخ القويم كانت أمور الفتوى في هذا العهد أي عهد العثمانيين الأول تسند على بيوت العلم من المكيين بتأييد من الدولة العثمانية بخلاف وظيفة القضاء فقد اختص العثمانيون أنفسهم بها فكان الناس إذا لم يقتنعوا بحكم القاضي التركي لجأوا إلى استفتاء المفتي في قضاياهم فإذا أفتى في صالحهم استندوا على فتواه ورجعوا بها إلى مجلس القاضي وكان لكل مذهب من المذاهب الأربعة مفتي مختص ويرأسهم مفتي الحنفية لأن السلطان على مذهب أبي حنيفة وأول من تولى رئاسة الفتوى في عهد العثمانيين هو الشيخ قطب الدين الحنفي المكي ومما يناسب هذا المقام ما ذكره القلقشندي في كتابه صبح الأعشى إن أول قاض كان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استقضاه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في خلافته فمكث سنة لا يأتيه أحد في قضية انتهى وهذا لا يستغرب في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فلقد تغلغل الدين والتقوى في نفوسهم وسرى العدل والإنصاف فيهم سريان الدم في الشرايين والأوردة وفي المثل لو أنصف الناس استراح القاضي ومن أحسن الحكم والوصايا ما كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهو ما ذكره صاحب كتاب جواهر الأدب وهذا نصه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة قم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك واعمد على أقربها إلى الله وأشبهها بالحق واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي غليه فإذا أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب