فهرس الكتاب
التاريخ القويم الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا يشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم إلى أقصاه أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم وأخبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك قليل ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيل عليه وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديل ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك وكان في كل مصر جماعة اشتهروا بالفقه واستنباط الأحكام كان يستعين بهم القاضي ويستفتيهم إذا أشكل عليه أمر وأهم ما كان يدعوهم إلى ذلك أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن مجموعة في كتاب بل كانت في صدور الناس يحفظ منها أحدهم جزءا والثاني جزءا وقد لا يحفظ أحدهم ما يحفظه الآخر فربما عرضت للقاضي مسألة فلا يرى فيها نصا ويكون النص وهو الحديث عنده غيره وبذلك كانوا يسألون هل عندكم شيء في هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجمعوا هذه الفتاوى ولا الأقضية في كتاب يرجع غليه من بعدهم وكان ما ذكرناه من أمر السن سببا كبيرا من أسباب اختلافهم في الفتاوى والأقضية لم يكن القاضي في أحكامه موكولا إلى الاجتهاد الصرف كما يظن بعض الباحثين ويجعل ذلك من عيوب القضاء وإنما كان موكولا إلى الاجتهاد في فهم القانون الشرعي وتطبيقه على الحوادث والواقعات حقيقة أن ذلك القانون لم يعتن بالتفصيل التام بل اهتم بالقواعد الكلية وليس هذا عيبا في القوانين التي يراد منها الإبقاء بل هو مما يحسنها ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان الاجتهاد للقاضي والحال ما ذكرنا أمر لابد منه ولذلك أعده المتقدمون من الشروط المتحتمة لم يكن تعيين القضاءء مانعا الخلفاء مننظر أي خصومة تعرض عليهم وقد حصل ذلك من الخلفاء في آنات كثيرة فكأن القضاة كانوا نوابا للخلفاء وليس عندنا دليل على وجود سجلات يضبط فيها ما يصدر من الأحكام ولا أن صور الأحكام كانت تعطى للمحكوم له لأن ذلك لم يكن ما يدعو غليه ما دام التنفيذ في سد القاضي فهو الذي يقضي وهو الذي ينفذ الحكم ويظهر لنا مما