فهرس الكتاب

الصفحة 3170 من 3251

تغير الاحوال المعنوية في الحجاز ثامنا ومما كانوا يمتازون به حقا المبادرة إلي طلب العلم فالمسجد الحرام يشهد لهم بحلقات الدروس في جميع الاوقات من ليل أو نهار والمدارس ممتلئة بابنائهم يشتغلون بالعلوم الدينية اولا بالعلوم الحديثة خصوصا بتجويد القران الكريم وحفظه وتلاوته وكان التعليم في جميع أنواع العلوم قويا متينا خالصا مخلصا لا ضعف فيه ولا تهاون وكم برع من ابناء هذه البلاد المقدسة في العلوم والفنون من غير ابتعاث إلي الخارج وكم وجدنا من المحسنين والاغنياء والفضلاء من يساعدون طلاب العلم ويقدمون لهم المعونات الفعالة ويشهد لكل ذلك من بقي من اهل جيلنا القديم وتاسعا أن اهل هذه البلدة الطاهرة كانوا جميعا كانهم اسرة واحدة فإذا راي احدهم ابن جاره أو أن صاحبه وقد فعل خطا أو مشي في السوق بغير ادب خاصمه وغضب عليه كما يغضب علي ابنه من صلبه والولد يخجل من نفسه ويغض نظره طاعة وحياء وعاشرا كانت المعاملات بينهم في غاية من الامانة والوفاء وان لم يكن بينهم شهود ولا سندات وكان بعضهم من اهل الدكاكين يدفع بعض الزبائن إلي جيرانه في الصباح الباكر ليشتري منهم ويقول لهم انني قد بعت واستفتحت إما جاري فلان فانه لم يستفتح فاذهبوا إليه لتستفتحوا لبعضكم خيرا إلي غير ذلك من الامور المستحسنة الشريفة وهذا بالنسبة للغالب إما النادر الشاذ منهم فلا عبرة به هكذا كانت احوال اهل الحرمين والمدن القريبة منهم إلي سنة ( 1355 ) الف وثلاثمائة وخمس وخمسين هجرية تقريبا ثم اختلف احوالهم ورجعوا القهقرا من بعد هذه السنة المذكورة تدريجيا شيئا فشيئا وتطوروا تطورا عظيما وصاروا يقلدون الاجانب بسرعة فائقة وتحرروا من العادات القومية الطيبة وتهاونوا بامور الدين والسبب في ذلك والله تعالي اعلم اقبال الدنيا عليهم اقبالا عظيما فكثرت اسفارهم إلي الخارج وكثر اختلاطهم بالاجانب وهاجر اليهم كثير من مختلف الاجناس واقاموا بينهم وعاشروهم نعم هناك بعضهم محافظون علي ديانتهم واخلاقهم وعاداتهم الشريفة ولكنهم قليلون فإذا تغيرت عاداتنا واحوالنا ونحن اهل الحرمين الشريفين فان البلاد الاسلامية الاخري قد تغيرت احوالهم وعاداتهم تغيرا عظيما شنيعا بل لقد تغيرت الدنيا كلها في هذا الزمن العجيب وهذا مصداق قوله صلي الله عليه وسلم"ما ومن عام إلا ينقص الخير فيه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت