تغير الاحوال المعنوية في الحجاز ثامنا ومما كانوا يمتازون به حقا المبادرة إلي طلب العلم فالمسجد الحرام يشهد لهم بحلقات الدروس في جميع الاوقات من ليل أو نهار والمدارس ممتلئة بابنائهم يشتغلون بالعلوم الدينية اولا بالعلوم الحديثة خصوصا بتجويد القران الكريم وحفظه وتلاوته وكان التعليم في جميع أنواع العلوم قويا متينا خالصا مخلصا لا ضعف فيه ولا تهاون وكم برع من ابناء هذه البلاد المقدسة في العلوم والفنون من غير ابتعاث إلي الخارج وكم وجدنا من المحسنين والاغنياء والفضلاء من يساعدون طلاب العلم ويقدمون لهم المعونات الفعالة ويشهد لكل ذلك من بقي من اهل جيلنا القديم وتاسعا أن اهل هذه البلدة الطاهرة كانوا جميعا كانهم اسرة واحدة فإذا راي احدهم ابن جاره أو أن صاحبه وقد فعل خطا أو مشي في السوق بغير ادب خاصمه وغضب عليه كما يغضب علي ابنه من صلبه والولد يخجل من نفسه ويغض نظره طاعة وحياء وعاشرا كانت المعاملات بينهم في غاية من الامانة والوفاء وان لم يكن بينهم شهود ولا سندات وكان بعضهم من اهل الدكاكين يدفع بعض الزبائن إلي جيرانه في الصباح الباكر ليشتري منهم ويقول لهم انني قد بعت واستفتحت إما جاري فلان فانه لم يستفتح فاذهبوا إليه لتستفتحوا لبعضكم خيرا إلي غير ذلك من الامور المستحسنة الشريفة وهذا بالنسبة للغالب إما النادر الشاذ منهم فلا عبرة به هكذا كانت احوال اهل الحرمين والمدن القريبة منهم إلي سنة ( 1355 ) الف وثلاثمائة وخمس وخمسين هجرية تقريبا ثم اختلف احوالهم ورجعوا القهقرا من بعد هذه السنة المذكورة تدريجيا شيئا فشيئا وتطوروا تطورا عظيما وصاروا يقلدون الاجانب بسرعة فائقة وتحرروا من العادات القومية الطيبة وتهاونوا بامور الدين والسبب في ذلك والله تعالي اعلم اقبال الدنيا عليهم اقبالا عظيما فكثرت اسفارهم إلي الخارج وكثر اختلاطهم بالاجانب وهاجر اليهم كثير من مختلف الاجناس واقاموا بينهم وعاشروهم نعم هناك بعضهم محافظون علي ديانتهم واخلاقهم وعاداتهم الشريفة ولكنهم قليلون فإذا تغيرت عاداتنا واحوالنا ونحن اهل الحرمين الشريفين فان البلاد الاسلامية الاخري قد تغيرت احوالهم وعاداتهم تغيرا عظيما شنيعا بل لقد تغيرت الدنيا كلها في هذا الزمن العجيب وهذا مصداق قوله صلي الله عليه وسلم"ما ومن عام إلا ينقص الخير فيه"