هَدْمَهَا»،فَكَاتَبُوهُ فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ: ائْذَنْ لَنَا قَبْلَ رَسُولِكَ، ثُمَّ ابْعَثْ فِي آثَارِنَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِقَوْمِي. فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَحَمَلَهُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِّرْ عَلَيْنَا رَجُلًا مِنَّا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانَ عَلِمَ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِثَقِيفٍ، فَاكْتُمُوهُمُ الْقَضِيَّةَ وَخَوِّفُوهُمْ بِالْحَرْبِ وَالْفَنَاءِ وَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا سَأَلَنَا أُمُورًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، وَسَأَلَنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَمْوَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَا. فَخَرَجَتْ ثَقِيفٌ حِينَ دَنَا الْوَفْدُ مِنْهُمْ يَتَلَقَّوْنَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَدْ سَارُوا الْعَنَقَ، وَقَطَرُوا الْإِبِلَ، وَتَغَشَّوْا ثِيَابَهُمْ كَهَيْئَةِ الْقَوْمِ قَدْ حَزِنُوا وَكَرَبُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا بِخَيْرٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ثَقِيفٌ مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا جَاءَ وَفْدُكُمْ بِخَيْرٍ، وَلَا رَجَعُوا بِهِ. فَدَخَلَ الْوَفْدُ فَعَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ فَنَزَلُوا عِنْدَهَا، وَاللَّاتُ بَيْتٌ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الطَّائِفِ بِسِتْرٍ، وَيُهْدَى لَهَا الْهَدْيُ، ضَاهَوْا بِهِ بَيْتَ اللَّهِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَيَقُولُ نَاسٌ مِنْ ثَقِيفٍ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُمْ لَا عَهْدَ لَهُمْ بِرُؤْيَتِهَا، وَرَجَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَتَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ جَانِبَهُ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُ: مَاذَا جِئْتُمْ بِهِ، وَمَا رَجَعْتُمْ بِهِ؟ قَالُوا: أَتَيْنَا رَجُلًا غَلِيظًا يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، قَدْ ظَهَرَ بِالسَّيْفِ وَأَدَاخَ الْعَرَبَ، وَأَدَانَ لَهُ النَّاسَ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا: هَدْمَ اللَّاتِ، وَتَرْكَ الْأَمْوَالِ فِي الرِّبَاتِ إِلَّا رُءُوسَ أَمْوَالِنَا، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ. قَالَتْ ثَقِيفٌ: فَوَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا فَقَالَ الْوَفْدُ: فَأَصْلِحُوا السِّلَاحَ، وَتَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ، وَرُمُّوا حِصْنَكُمْ. فَمَكَثَ بِذَلِكَ ثَقِيفٌ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُرِيدُونَ - زَعَمُوا - الْقِتَالَ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا لَنَا طَاقَةٌ بِهِ، أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّهَا، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى الْوَفْدُ أَنَّهُمْ قَدْ رُعِبُوا وَخَافُوا وَاخْتَارُوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ وَالْحَرْبِ قَالَ الْوَفْدُ: فَإِنَّا قَدْ قَاضَيْنَاهُ، وَأَعْطَانَا مَا أَحْبَبْنَا وَشَرَطَ لَنَا مَا أَرَدْنَا، وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُمْ، وَأَرْحَمَهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وَفِيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ، فَانْهُوا الْقَضِيَّةَ وَاقْبَلُوا عَاقِبَةَ اللَّهِ قَالَتْ ثَقِيفٌ: فَلِمَ كَتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ وَغَمَّمْتُمُونَا بِهِ أَشَدَّ الْغَمِّ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ. فَأَسْلَمُوا مَكَانَهُمْ وَاسْتَسْلَمُوا وَمَكَثُوا أَيَّامًا، ثُمَّ قَدِمَتْ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمِيرُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ فَهَدَمُوهَا، وَقَدِ اسْتَكَفَّتْ ثَقِيفٌ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ