3 -وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُجْرَةِ، فَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل. [1]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحَصَل الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ [2] .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِسْلاَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ [3] .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِذَا حَصَل بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. بَل تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. أَمَّا إِذَا حَصَل فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ الْحَوْل. وَتَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال حَوْلِهَا، [4]
وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ بِالأَدِلَّةِ الآْتِيَةِ:
1 -عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ، كَاتَبِ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ وَكَانَ حَيَّانُ بَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ يَسْتَفْتِيهِ: أَيَجْعَلُ جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ؟ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ فَقَالَ:"مَا سَمِعْتُ لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، إِنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً، بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْعَلَ جِزْيَةَ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْأَحْيَاءِ، قَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ: وَكَانَ حَيَّانُ وَالِيَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى مِصْرَ". [5]
(1) - العناية شرح الهداية على هامش فتح القدير 5/ 295،ونهاية المحتاج للرملي 8/ 87.
(2) - تبيين الحقائق 3/ 278،والهداية 2/ 161،وفتح القدير 5/ 295،والبدائع 9/ 4332،والخراج لأبي يوسف ص 123،وحاشية الدسوقي 2/ 202،والمنتقى للباجي 2/ 176،ومنح الجليل 1/ 759.
(3) - البدائع للكاساني 9/ 4332،والاختيار 4/ 138،والمنتقى للباجي 2/ 176.
(4) - روضة الطالبين 10/ 312،والأحكام السلطانية للماوردي ص 145،ومغني المحتاج 4/ 249،وحاشية القليوبي 4/ 232،ورحمة الأمة 2/ 181،والميزان للشعراني 2/ 185،والمغني 8/ 11،والمبدع 3/ 412،وكشاف القناع 3/ 123،والإنصاف 4/ 228،والمذهب الأحمد لابن الجوزي ص 210.
(5) - الأموال للقاسم بن سلام (ص:61) (127) حسن