ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ» ،أَيْ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ، فَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِمَّنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ إذَا رَدَّ هَدِيَّتَهُ لِيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ. أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْعِوَضِ وَلَا يَرْضَى بِالْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِ مَا أَهْدَى. وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةَ الْأَعْرَابِ» .وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا أَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ»
وَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسَيْنِ قَدْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، فَعَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوْقَ هَدِيَّتِهِ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي خُطْبَتِهِ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَهْدُونَ مَا نَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَنَا. ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِالْمُكَافَأَةِ بِالْمِثْلِ» .وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ عَامِرٍ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَجَارَ سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَتَلَهُمْ قَوْمُهُ، وَهُمْ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَفِي هَذَا قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِهَذَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَدِيَّتَهُ. [1]
وَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } [الإنسان:8،9] .قَال الْحَسَنُ كَانَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُؤْتَى بِالأَسِيرِ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقُول:"أَحْسِنْ إِلَيْهِ"فَيَكُونُ عِنْدَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، فَيُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ. وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ الإِحْسَانُ إِلَى الْكُفَّارِ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وَعَنْ قَتَادَةَ: كَانَ أَسِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكَ. [2]
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ لاَ يَمْنَعُ مِنَ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ. [3]
هـ - إِرْثُ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيَّ، وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْلِمَ:
(1) - شرح السير الكبير (ص: 96) ، المبسوط 10/ 92
(2) - تفسير الكشاف للزمخشري 3/ 296،ط الحلبي.
(3) - تبيين الحقائق 6/ 240،والدر المختار 3/ 247،والشرح الصغير 2/ 290،والقوانين الفقهية / 394 وما بعدها، والبجيرمي على المنهج 3/ 235،وحاشية الشرقاوي 2/ 188،والأم 4/ 4،ومطالب أولي النهى 4/ 544.