فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 309

قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَزَرَعَهَا، يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ الأَْرْضِ وَيَصِيرُ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ وَظِيفَةَ الْخَرَاجِ تَخْتَصُّ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِذَا قَبِلَهَا فَقَدْ رَضِيَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا. وَلَوْ بَاعَهَا قَبْل أَنْ يَجْبِيَ خَرَاجَهَا لاَ يَصِيرُ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ دَلِيل قَبُول الذِّمَّةِ وُجُوبُ الْخَرَاجِ لاَ نَفْسُ الشِّرَاءِ، فَمَا لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لاَ يَصِيرُ ذِمِّيًّا.

وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِشَرْطِ تَنْبِيهِهِ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالَةِ عَدَمِ بَيْعِهِ الأَْرْضَ وَرُجُوعِهِ إِلَى بِلاَدِهِ سَيَكُونُ ذِمِّيًّا، إِذْ لاَ يَصِحُّ جَعْلُهُ ذِمِّيًّا بِلاَ رِضًى مِنْهُ أَوْ قَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ تَكْشِفُ عَنْ رِضَاهُ [1] .

هَذَا، وَلَمْ نَجِدْ لِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ رَأْيًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

ثَالِثًا - صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا بِالتَّبَعِيَّةِ:

هُنَاكَ حَالاَتٌ يَصِيرُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ ذِمِّيًّا تَبَعًا لِغَيْرِهِ؛ لِعَلاَقَةٍ بَيْنَهُمَا تَسْتَوْجِبُ هَذِهِ التَّبَعِيَّةَ فِي الذِّمَّةِ مِنْهَا:

أ - الأَْوْلاَدُ الصِّغَارُ وَالزَّوْجَةُ:

صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ الأَْوْلاَدَ الصِّغَارَ يَدْخُلُونَ فِي الذِّمَّةِ تَبَعًا لآِبَائِهِمْ أَوْ أُمَّهَاتِهِمْ إِذَا دَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ [2] ؛لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِيهِ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُعَامَلاَتِ، وَالصَّغِيرُ فِي مِثْل هَذَا يَتْبَعُ خَيْرَ الْوَالِدَيْنِ، كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: لاَ تُعْقَدُ الذِّمَّةُ إِلاَّ لِكَافِرٍ حُرٍّ بَالِغٍ ذَكَرٍ، فَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ فَهُمْ أَتْبَاعٌ [3] .

وَإِذَا بَلَغَ صِبْيَانُ أَهْل الذِّمَّةِ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ لِهَؤُلاَءِ وَلأَِنَّهُمْ تَبِعُوا الأَْبَ فِي الأَْمَانِ، فَتَبِعُوهُ فِي الذِّمَّةِ [4] .

(1) - البدائع 7/ 110،وابن عابدين 3/ 346،والزيلعي 2/ 269

(2) - السير الكبير 5/ 1870،والمهذب للشيرازي 2/ 251،253،والمغني لابن قدامة 8/ 508.

(3) - القوانين الفقهية لابن جزي ص 104.

(4) - السير الكبير 5/ 1870،والقوانين الفقهية ص 104،والمهذب 2/ 253،والروضة 8/ 300،والمغني 8/ 508.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت