ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ. حِصْنًا فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ وَقَال: أَمِّنُونِي أُفْتَحْ لَكُمُ الْحِصْنَ، جَازَ أَنَّ يُعْطُوهُ أَمَانًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيَدٍ لَمَّا حَاصَرَ النُّجِيْرَ، قَال الأَْشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: أَعْطُونِي الأَْمَانَ لِعَشَرَةٍ أَفْتَحْ لَكُمْ الْحِصْنَ فَفَعَلُوا، فَإِنْ أَشْكَل الَّذِي أُعْطِيَ الأَْمَانُ - وَادَّعَاهُ كُل وَاحِدٍ مِنْ أَهْل الْحِصْنِ - فَإِنْ عَرَفَ صَاحِبُ الأَْمَانِ عَمِل عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبُ الأَْمَانِ الْمُؤَمِّنَ، لَمْ يَجُزْ قَتْل وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَل صِدْقُهُ وَقَدِ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ فَحُرِّمَ الْكُل، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتْ مَيِّتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَنَحْوِهَا [1] .
وَإِذَا لَمْ يُوَفِّ الشَّرْطَ فَلَهُمْ ضَرْبُ عُنُقِهِ كَمَا إِذَا قَال الرَّجُل: كُفَّ عَنِّي حَتَّى أَدُلُّكَ عَلَى كَذَا، فَبُعِثَ مَعَهُ قَوْمٌ لِيَدُلَّهُمْ فَامْتَنَعَ مِنَ الدَّلاَلَةِ أَوْ خَانَهُمْ، فَالإِْمَامُ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا؛ لأَِنَّ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ لَهُ كَانَ بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلأَِنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ، وَعُلِّقَ حُرْمَةُ دَمِهِ بِالدَّلاَلَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، فَإِنِ انْعَدَمَ الشَّرْطُ، بَقِيَ حِل دَمِهِ عَلَى مَا كَانَ [2] .
ي - مُدَّةُ الأَْمَانِ:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لِلْمُسْتَأْمِنِ لاَ تَبْلُغُ سَنَةً، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ التَّوْقِيتُ مَا دُونَ السَّنَةِ كَشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، لَكِنْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ الْمُسْتَأْمِنَ ضَرَرٌ وَعُسْرٌ بِتَقْصِيرِ الْمُدَّةِ جِدًّا، خُصُوصًا إِذَا كَانَ لَهُ مُعَامَلاَتٌ يَحْتَاجُ فِي اقْتِضَائِهَا إِلَى مُدَّةٍ أَطْوَل [3] .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ تَزِيدَ مُدَّةُ الأَْمَانِ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ [4] .
(1) - شرح السير الكبير 1/ 278،والخرشي 3/ 121،122،وروضة الطالبين 10/ 293،والمغني 8/ 402.
(2) - شرح السير الكبير 1/ 278،والخرشي 3/ 121،122،وروضة الطالبين 10/ 293،والمغني 8/ 402.
(3) - بدائع الصنائع 7/ 107،وابن عابدين 3/ 248،249،وفتح القدير 4/ 351،352،والاختيار 4/ 136،والأحكام السلطانية للماوردي 146 ط. دار الكتب العلمية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ط. دار الكتب العلمية - بيروت 161،وروضة الطالبين 10/ 281
(4) - كشاف القناع 3/ 104.