هَذَا، وَكُل مَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُ الذِّمِّيِّ، يُنْتَقَضُ بِهِ أَمَانُ الْمُسْتَأْمَنِ، عَلَى حَسَبِ الاِتِّجَاهَيْنِ السَّابِقَيْنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ أَمَانٌ مُؤَبَّدٌ، وَآكَدُ مِنَ الأَمَانِ الْمُؤَقَّتِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَالذِّمِّيِّ يَلْتَزِمُ بِتَطْبِيقِ أَحْكَامِ الإِسْلاَمِ.
وَمَنْ نَقَضَ أَمَانَهُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ يُنْبَذُ إِلَيْهِ وَيَبْلُغُ الْمَأْمَنَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِي شَأْنِهِ كَالأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. [1]
يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمَنًا بِالْحُصُول عَلَى أَمَانٍ مِنْ كُل مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَوْ حَتَّى مِنْ مُمَيِّزٍ عِنْدَ آخَرِينَ [2] .
دُخُول الْحَرْبِيِّ بِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ:
لَيْسَ لِأَهْل الْحَرْبِ دُخُول دَارِ الإِسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُل جَاسُوسًا، أَوْ مُتَلَصِّصًا، أَوْ لِشِرَاءِ سِلاَحٍ، فَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ [3] .
فَإِنْ قَال: دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ دَخَلْتُ رَسُولًا، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ دَخَلْتُ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ، صُدِّقَ وَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ؛ لاِحْتِمَال مَا يَدَّعِيهِ، وَقَصْدُ ذَلِكَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى تَأْمِينٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة:6] ،وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ. [4]
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الأَمَانَ لاَ يُصَدَّقُ فِيهِ، بَل يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ؛ لِإِمْكَانِهَا غَالِبًا، وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْل الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مَنْ دَخَل مِنَ الْحَرْبِيِّينَ دَارَ الإِسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِل مِنْهُ، وَيُحْقَنُ دَمُهُ، إِنْ صَدَّقَتْهُ عَادَةً، كَدُخُول تُجَّارِهِمْ
(1) - المدونة 3/ 42،والفروق 3/ 74،والشرح الكبير والدسوقي 2/ 172،وتحفة المحتاج 8/ 98،ومغني المحتاج 4/ 238،و 262،وفتح القدير 4/ 300،وتصحيح الفروع 3/ 66،وكشاف القناع 3/ 100.
(2) - الاتجاه الأول للجمهور: أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وأحمد في رواية عنه. والاتجاه الثاني للإمام مالك وأحمد ومحمد بن الحسن. واللجنة ترى أن المرجع الأخير لولي الأمر مراعيا في ذلك مصلحة الدولة المسلمة
(3) - المغني 8/ 523،والمهذب 2/ 259.
(4) - مغني المحتاج 4/ 243.واللجنة ترى أن هذا الأمر من الخطورة بمكان، ولا بد من التثبت من صدق ادعائه.