فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 309

فَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا أَهْل الْجِزْيَةِ لِلْعُمَّال حَرَامٌ وَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهَا. قَال الْخَطَّابِيُّ:"فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال سُحْتٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ سَبِيلُهَا سَبِيل سَائِرِ الْهَدَايَا الْمُبَاحَاتِ، وَإِنَّمَا يُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمُحَابَاةِ وَلِيُخَفِّفَ عَنِ الْمُهْدِي وَيُسَوِّغَ لَهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ وَبَخْسٌ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ لِأَهْلِهِ" [1] .

الرِّقَابَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ:

عَلَى الإِمَامِ مُشَارَفَةُ الأُمُورِ وَتَصَفُّحُ الأَحْوَال، وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الْوَاجِبِ: الرِّقَابَةُ الْفَعَّالَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ، وَضَرُورَةُ مَنْحِهِمْ رَوَاتِبَ تَكْفِيهِمْ.

قَال أَبُو يُوسُفَ فِي نَصِيحَتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ: قَالَ أَبُو يُوسُف: وَأَنَا أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الصَّلاحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ يَسْأَلُونَ عَنْ سرة الْعُمَّالِ وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلادِ وَكَيْفَ جَبَوُا الْخَرَاجَ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَلَى مَا وُظِّفَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ؛ فَإِذَا ثَبُتَ ذَلِكَ عِنْدَكَ وَصَحَّ أُخِذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الأَخْذِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَالِ حَتَّى لَا يَتَعَدُّوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا عَمِلَ بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعَسَفِ؛ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَحْلَلْتَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ وَإِنْ لَمْ يفعل هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنَ الْعَامِلِ وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَك فِي رعيتك وَاحْتَاجَ شَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ أَوْ خُبْثَ طُعْمَتِهِ أَوْ سُوءَ سِيرَتِهِ فَحَرَامٌ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالُهُ وَالاسْتِعَانَةُ بِهِ، وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِكَ أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ؛ بَلْ عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ مَا تَعَرَّضَ لَهُ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ.

حَدَّثَنِي مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاذٌ:"صَلِّ وَنَمْ، وَاطْعَمْ وَاكْتَسِبْ حَلالا، وَلا تَأْثَمْ وَلا تَمُوتَنَّ إِلَّا وَأَنت مُسلم، إياك وَدَعَوَاتِ -أَوْ دَعْوَةِ- الْمَظْلُومِ".

(1) - معالم السنن للخطأبي 3/ 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت