وَقَدِ اخْتَلَفَتْ وُجْهَاتُ نَظَرِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْجِزْيَةِ اصْطِلاَحًا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي طَبِيعَتِهَا، وَفِي حُكْمِ فَرْضِهَا عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ فُتِحَتْ أَرْضُهُمْ عَنْوَةً (أَيْ قَهْرًا لاَ صُلْحًا) .
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا:"اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ فَهُوَ عَامٌّ يَشْمَل كُل جِزْيَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مُوجِبُهَا الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ وَفَتْحَ الأَرْضِ عَنْوَةً، أَوْ عَقْدَ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْشَأُ بِالتَّرَاضِي".
وَعَرَّفَهَا الْحِصْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا:"الْمَال الْمَأْخُوذُ بِالتَّرَاضِي لِإِسْكَانِنَا إِيَّاهُمْ فِي دِيَارِنَا، أَوْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَوْ لِكَفِّنَا عَنْ قِتَالِهِمْ"وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا:"مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ كُل عَامٍ بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا".
قَال الْقَلْيُوبِيُّ:"تُطْلَقُ - أَيِ الْجِزْيَةَ - عَلَى الْمَال وَعَلَى الْعَقْدِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا". [1]
هَذَا وَيُطْلِقُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْجِزْيَةِ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ وَأَلْفَاظٍ مِنْهَا:
قَال السَّرَخْسِيُّ:"إِذَا جَعَل الإِمَامُ قَوْمًا مِنَ الْكُفَّارِ أَهْل ذِمَّةٍ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال، وَعَلَى الأَرَضِينَ بِقَدْرِ الاِحْتِمَال، أَمَّا خَرَاجُ الرُّءُوسِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] "
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. فِي أَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلَا تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ" [2] ."
(1) - الفتاوى الهندية 2/ 244 - دار إحياء التراث العربي ببيروت، واللباب في شرح الكتاب 4/ 143 - دار الحديث ببيروت، وعمدة القاري 15/ 77 - دار الفكر ببيروت، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1/ 266 - دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة، وشرح منح الجليل 1/ 756 - مكتبة النجاح بليبيا وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 4/ 268 - المكتبة الإسلامية بتركيا، كفاية الأخيار 2/ 133 - دار المعرفة ببيروت، المبدع في شرح المقنع 3/ 404 - المكتب الإسلامي ببيروت، وحاشية القليوبي 4/ 228،وكشاف القناع 3/ 117 - مطبعة النصر الحديثة بالرياض، والمغني 8/ 495 ط الرياض.
(2) - الأموال لابن زنجويه (1/ 136) (124) صحيح مرسل