قِيل: مَعْنَاهُ عَنْ ذُلٍّ وَعَنِ اعْتِرَافٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَقِيل عَنْ يَدٍ: أَيْ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ وَتَرْكَ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَدٌ مِنَ الْمَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ. وَقِيل: عَنْ يَدٍ أَيْ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ وَاسْتِسْلاَمٍ كَمَا تَقُول: الْيَدُ فِي هَذَا لِفُلاَنٍ أَيِ الأَمْرُ النَّافِذُ لِفُلاَنٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَزِّيِّ: عَنْ يَدٍ قَال: نَقْدًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ
وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: كُل مَنْ أَطَاعَ لِمَنْ قَهَرَهُ فَأَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَعْطَاهَا عَنْ يَدٍ" [1] ."
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {عَنْ يَدٍ} ،فَقَال النَّيْسَابُورِيُّ:
{عَنْ يَدٍ} إِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْمُعْطِي فَالْمُرَادُ: عَنْ يَدٍ مُؤَاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، يُقَال أَعْطَى بِيَدِهِ إِذَا انْقَادَ وَأَصْحَبَ، أَوِ الْمُرَادُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ وَلاَ مَبْعُوثًا عَلَى يَدِ أَحَدٍ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الآْخِذِ فَمَعْنَاهُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ قَاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا، أَوِ الْمُرَادُ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا عَنْ أَرْوَاحِهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ. [2]
وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ الصَّغَارَ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلاَمِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَال: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: الصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإِسْلاَمِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا، لاِمْتِنَاعِهِمْ مِنَ الإِسْلاَمِ. فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أَصَغَرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْخُضُوعُ لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مُوجِبًا لِلصَّغَارِ. [3]
قَال الْقَرَافِيُّ:"إِنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، بَيَانُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قُتِل انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الإِيمَانِ، وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الإِيمَانِ، وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَغَضَبُ الدَّيَّانِ، فَشَرَعَ اللَّهُ الْجِزْيَةَ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فِي مُسْتَقْبَل الأَزْمَانِ، لاَ سِيَّمَا بِاطِّلاَعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ" [4] .
(1) - لسان العرب 3/ 1007،المفردات في غريب القرآن ص 551.
(2) - تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 10/ 66.
(3) - تفسير القرآن العظيم 2/ 347،وزاد المسير 3/ 420،وأحكام القرآن للشافعي 2/ 61.
(4) - الفروق للقرافي 3/ 23.