أَمَّا الْجِزْيَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْجُنُونِ طِبْقًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي عَدَمِ تَدَاخُل الْجِزْيَةِ كَمَا سَبَقَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ إِذَا كَانَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. أَمَّا إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل. [1]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي شُرُوطِ الْجِزْيَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِهَذِهِ الْعَاهَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَا أُصِيبَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ إِصَابَتُهُ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ؛ لِأَنَّهَا لاَ تُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِإِحْدَى الْعَاهَاتِ السَّابِقَةِ أَثْنَاءَ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِكَمَال الْحَوْل [2] .
الثَّامِنُ: عَدَمُ حِمَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:
عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابِل الْجِزْيَةِ تَوْفِيرُ الْحِمَايَةِ لِأَهْل الذِّمَّةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمَنْعُ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالاِعْتِدَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
(1) - فتح القدير 5/ 295،وحاشية الخرشي 3/ 144،ومنح الجليل 1/ 759،وشرح المحلي على المنهاج 4/ 229،وكشاف القناع 3/ 122.
(2) - حاشية ابن عابدين 4/ 200،والاختيار 4/ 138،شرح المحلي 4/ 230،والشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي 2/ 201،ومنح الجليل 1/ 757،الخراج لأبي يوسف ص 123،والأحكام السلطانية للماوردي ص 145،وكشاف القناع 3/ 122.