وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَشَرَطَ الإِْمَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عُشْرَ تِجَارَتِهِمْ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل أَخَذَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ بَل عَقَدَ لَهُمُ الأَْمَانَ عَلَى دِمَائِهِمْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا إِنْ دَخَلُوا بِأَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَؤُلاَءِ الْمُسْتَأْمَنُونَ مِنْ قَوْمٍ يُعَشِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ دَخَلُوا بِلاَدَهُمْ أَوْ يُخَمِّسُونَهُمْ. [1]
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا دَخَل بِلاَدَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَاتَّجَرَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تِجَارَتِهِ الْعُشْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ أَكَانَ كَبِيرًا أَمْ صَغِيرًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ أَعَشَّرُوا أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلَتْ إِلَيْهِمْ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، عَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلاَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ أَقَل مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ أَنَّ لِلإِْمَامِ تَرْكَ الْعُشْرِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ [2] .
أَهْل الذِّمَّةِ: هُمْ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّصَارَى، وَالْيَهُودِ، وَالْمَجُوسِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بِمُوجَبِ عَقْدِ الذِّمَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا انْتَقَل الذِّمِّيُّ بِتِجَارَتِهِ إِلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي أُقِرَّ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ: كَالشَّامِيِّ يَنْتَقِل إِلَى مِصْرَ أَوِ الْعِرَاقِ أَوِ الْحِجَازِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ إِنِ اتَّجَرَ نِصْفَ الْعُشْرِ فِي تِجَارَتِهِ يُؤَدِّيهِ فِي الْعَامِ مَرَّةً، كَمَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُ زَكَاةَ تِجَارَتِهِ وَهِيَ رُبْعُ الْعُشْرِ فِي كُل عَامٍ، فَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سِيَّانِ إِلاَّ فِي مِقْدَارِ الْعُشْرِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا يَدْفَعُهُ الذِّمِّيُّ هُوَ جِزْيَةٌ فِي مَالِهِ، كَمَا يُسَمَّى خَرَاجُ أَرْضِهِ جِزْيَةً، فَالْجِزْيَةُ عِنْدَهُمْ أَنْوَاعٌ: جِزْيَةُ مَالٍ، وَجِزْيَةُ أَرْضٍ، وَجِزْيَةُ رَأْسٍ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ بَعْضِهَا سُقُوطُ بَاقِيهَا إِلاَّ فِي بَنِي تَغْلِبَ. [3]
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّينَ لِهَذَا الاِنْتِقَال؛ لأَِنَّهُمْ عُوهِدُوا عَلَى التِّجَارَةِ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ بِآفَاقِهِمُ الَّتِي اسْتَوْطَنُوهَا، فَإِذَا طَلَبُوا تَنْمِيَةَ أَمْوَالِهِمْ بِالتِّجَارَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَقُّ غَيْرِ الْجِزْيَةِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ
(1) - الأم 4/ 205.
(2) - كشاف القناع 3/ 138.
(3) - ابن عابدين 2/ 40،والبدائع 2/ 37.