عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَقْنِ بِالْجِزْيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مَا وَجَبَتْ إِلاَّ لِرَجَاءِ الإِسْلاَمِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةٌ أُخْرَى انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا مَضَى، وَبَقِيَ الرَّجَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَل فَيُؤْخَذُ لِلسَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ. [1]
الإِعْسَارُ: ضِيقُ الْحَال مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمَال. [2]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِعْسَارِ الطَّارِئِ سَوَاءٌ أَطَرَأَ عَلَيْهِ الإِعْسَارُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ. وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْسَرَ أَكْثَرَ الْحَوْل؛ لِأَنَّ الإِعْسَارَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. [3]
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِعْسَارِ الطَّارِئِ لِأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الإِعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. [4]
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَدَاءِ. أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280] .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ، وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُنْظَرُ وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَدَاءِ. [5]
الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالاِنْعِزَال عَنِ النَّاسِ:
(1) - تبيين الحقائق 3/ 279،والبدائع 9/ 4333،والاختيار 4/ 139.
(2) - الجامع لأحكام القرآن 3/ 373.
(3) - بدائع الصنائع 9/ 4331،وتبيين الحقائق 3/ 278،والخراج لأبي يوسف ص 122،وحاشية الخرشي 3/ 145،بلغة السالك 1/ 367 - 368،ومنح الجليل 1/ 758،وحاشية الدسوقي 2/ 202.
(4) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 145،وروضة الطالبين 10/ 308،ونهاية المحتاج 8/ 88،والأم 4/ 279،ومغني المحتاج 4/ 246،وحاشية القليوبي 4/ 232،والمحلى 7/ 566.
(5) - كشاف القناع 3/ 122.